فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 386

مجتمع اسلامي مصغر:

مرت الأيام سريعًا، وجاء أجل موعدنا الشهري، حيث حضر فيه الأخ أبو مصعب والأخ السوري أبو الغادية، وكانت هناك بشائر جديدة؛ العدد في المعسكر من العرب اصبح 42 فردًا بين رجل وامرأة وطفل، من ضمنهم عائلة أبو مصعب ورفيقاه، وكذلك انضمام ثلاث عائلات سوريه جديدة، إحداها قدمت من أوروبا.

وبدأ أبو مصعب يبشر بأنهم بدأوا ببناء مجتمع إسلامي مصغر، وان هناك اخوة أردنيين وفلسطينيين سوف يصلون قريبًا إلي هيرات، وقال إن طريق إيران ـ أفغانستان أصبحت سالكة ومأمونة، هذه النقطة كانت جديدة ومهمة لنا في القاعدة، وقد قمنا باستغلالها جيدًا في المستقبل القريب، بحيث أخذنا نستعيض بها عن الطريق القديم المار بباكستان، خصوصًا فيما يتعلق بحركة الاخوة العرب، وهذه النقطة جعلتنا نفكر بمحاولة بناء علاقة طيبة مع بعض الخيرين في إيران، وذلك من اجل تمهيد وتسهيل الطريق اكثر، وللتنسيق في بعض الأمور المشتركة، ولقد تم إنجاز التنسيق مع الإيرانيين لاحقًا.

كان التنسيق مع أفراد مخلصين في توجهات عدائهم للأمريكان والإسرائيليين، ولم يكن التنسيق مع الحكومة الإيرانية، وخلال هذه الفترة لاحظت على أبو مصعب تطورًا مهمًا في شخصيته، فعند لقائنا الأول قبل حوالي أربعة شهور من هذا الوقت، لم يكن أبو مصعب مبادرًا بالكلام، وكانت أفكاره واهتمامه بالأخبار السياسية العامة محدودة، وأما الان فقد اصبح أبو مصعب مبادرًا بالكلام، يهتم بكل الأمور تقريبًا، يبادر إلي فتح العلاقات العامة التي قد تنجح مشروعه، ولاحظت انه أصبح اكثر إقناعا وتأثيرا علي من يقابله في الحديث، حتي أن لهجته أصبحت اقرب إلي الفصيحة منها إلي اللهجة الدارجة، هذه الأمور مجتمعة، كانت تشير إلي معالم تكوين شخصية قيادية متميزة. رفيقه السوري كان رائعًا، ويمتلك خبرات واسعة جدًا، ويتقن عدة لغات منها الإنكليزية والتركية والقليل من الكردية. وأما بالنسبة للاخوة السوريين الذين تعرفت عليهم في أفغانستان فقد كانوا من أروع وأخلص الاخوة الذين عرفتهم في حياتي، فقد كان للمعاناة التي مروا بها، وما زالوا يعيشونها، دور كبير في تشكيل شخصياتهم، فهم مؤدبون ويطيعون قادتهم، لديهم دوافع للتعلم وكسب الخبرة النظرية والعملية، لذلك فقد كانت درجة اطمئناني علي مشروع أبو مصعب تزداد كلما علمت أن أعدادا جديدة من الاخوة قد التحقوا به.

بقي مشروع أبو مصعب يتقدم ويتنامي، من ناحية أعداد الاخوة الذين تقاطروا للحاق به في هيرات، وكانت جنسياتهم قد بدأت بالتنوع أكثر؛ فأصبح لديه سوريون وأردنيون وفلسطينيون وبعض اللبنانيين والعراقيين. واستطاع أبو مصعب بفضل من الله ومنته، أن يبني علاقة مع تنظيم أنصار الإسلام الكردي، الذي كان ينتشر في شمال العراق، وكانت له قواعد وتواجد واضح فيه.

توالت الزيارات الدورية التي كنا نقوم بها لهيرات، وكنا في كل زيارة نلحظ الجديد والتطور علي كل المستويات، التنظيمية والإدارية، وقدرات الشباب العسكرية، ومع وصولنا إلي بداية سنة 2001 كان أبو مصعب قد أصبح شخصا أخر، من حيث الإمكانات والقدرات الشخصية التي اصبح يمتلكها، وانعكس كل هذا علي نظرته للأمور، فقد أصبح يفكر بشكل أعمق من السابق في كل قضية تعترضه، وكذلك بدأ يفكر ويخطط للمستقبل بشكل استراتيجي، فقد بدأ يركز علي بناء العلاقات مع كل الجنسيات والأعراق من الشباب العرب وغير العرب، المتواجدين علي الساحة الأفغانية، وبدأ يتجول في كل أفغانستان قاصدا الالتقاء بهم وسماع أخر أخبار مناطقهم الأصلية القادمين منها، ولذلك كان يبقي عبد الهادي دغلس في أغلب الحالات نائبا عنه في هيرات، ويتنقل بصحبة خالد العاروري وسليمان درويش أبو الغادية. وأستطيع القول أن مظاهر القيادة الشاملة بدأت تظهر جلية علي شخصية أبو مصعب ومظاهرها كانت تتمحور في النقاط التالية:

1 ـ أصبح لديه همٌ عام علي واقع الأمة الإسلامية بمجملها.

2 ـ التفاني والدقة ومحاولة الإنجاز السريع باتت أحد سماته.

3 ـ حب القراءة والاطلاع علي كل شيء يدور في العالم أصبح من اهتماماته الدائمة.

4 ـ كان أبو مصعب معجبا بشخصية القائد الإسلامي الفذ نور الدين زنكي، الذي قاد عملية التحرير والتغير التي أكملها البطل صلاح الدين الأيوبي، ولذلك كان يسأل دائما عن أي كتاب متوفر عن نور الدين وتلميذه صلاح الدين، وأعتقد أن ما قرأه عن نور الدين وانطلاقه من الموصل في العراق، كان له دور كبير في التأثير علي أبو مصعب، في اختيار الانتقال إلي العراق، بعد سقوط حكومة الإمارة الإسلامية في أفغانستان.

5 ـ ازداد اهتمام أبو مصعب بالأفراد الذين حوله، وكان يتحدث معي دوما عن الأساليب التي تقوي الترابط الاجتماعي والنفسي بينهم، وأخذ من سيرة الرسول صلي الله عليه وسلم زواجه ببنات أصحابه أبو بكر وعمر عائشة وحفصة مثلا يُحتذي، فقام بالزواج من بنت أحد أصحابه الفلسطينيين الذين التحقوا به من الأردن، وأخذ رفاق أبو مصعب يتزوجون ويزوجون بناتهم لبعضهم البعض، مع أن أعمار بعض الفتيات كان صغيرا نوعا ما، إذا ما قارناه بأعمار أقرانهن السائد في عالمنا العربي. استطاع أبو مصعب واخوته أن يصبحوا عائلة واحدة متماسكة ومتراحمة، من كل النواحي العقائدية والاجتماعية والاقتصادية، وأعتقد أن المودة التي أصبحت تربطهم، باتت شبيهة بما كان عليه صحابة الرسول صلي الله عليه وسلم وأعتقد أن هذا المثال الحديث والقريب، يجب أن يكون درسا صحيحا ومتجددا لكل العاملين في مجال الدعوة والحركة الإسلامية الحديثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت