لكن البعض أصيب بكسور، وكان منهم أبو مصعب، حيث كسر له بعض الأضلاع في صدره، وأصيب ببعض الكدمات والرضوض نتيجة انهيار السقف.
بدأ الهجوم علي قندهار. وكان هناك قرار جديد من القيادة بضرورة الانسحاب إلي الجبال وإخلاء الجرحي إلي مناطق آمنة وغير مستهدفة، كان المطلوب من أبو مصعب الخروج إلي باكستان، كونه كان من المصابين، إلا انه آبي إلا الالتحاق بنا والاستمرار بالمشاركة في المعركة.
الأمريكان كانوا يخشون المواجهة المباشرة، ولذلك كانوا يعتمدون علي قصف الطيران، وكانوا يستخدمون قوات الشمال من المنافقين والمخالفين في التقدم البري، ومما سلف نستطيع القول أن أبو مصعب ما كان له أن يهرب ولا أن يبتعد عن المواجهة، حتي ولو كان لديه عذر شرعي يستدعي ذلك.
المواجهة لم تكن متكافئة ولم تكن مباشرة وأهداف الهجوم الأمريكي كان يتمحور بالنقاط التالية:
1 ـ اسقاط الإمارة الإسلامية في أفغانستان، والقضاء علي احتمالية عودتها أو تجديدها في أي مرحلة قادمة، فهي التي وفرت الظروف والأرض والمكان الآمن للقاعدة، ولا عودة للسماح بذلك من جديد. فهذه الإمارة لو استمرت سوف تكون البداية لدولة الخلافة الإسلامية المنشودة من قبل كل المسلمين في العالم.
2 ـ القضاء علي القاعدة وقيادتها وجعلها عبرة لكل من يعتبر عبر القادم من التاريخ، فمن يتجرأ علي المساس بهذا الفيل العملاق (الولايات المتحدة) ، يجب أن يلقي جزاءه، والجزاء يجب أن يكون الاجتثاث الكامل والمبرم.
كان هذا التحدي من اكبر التحديات التي واجهتنا في عملنا منذ البداية، وكان لا بد من استجابة واعية تصل إلي مستوي التحدي المفروض، فكان قرار القيادة الجريء بضرورة تفكيك الإمارة والاندماج والانخراط بالواقع الأفغاني من جديد، والعمل علي العودة خلال سبع سنوات ضمن خطة محكمة ومدروسة، من خلال هزيمة الأمريكان واتباعهم وأعوانهم من الخونة والمنافقين.
وقد بدأنا بتنفيذ الخطة فورًا، وبناءً علي ذلك كان لا مجال لنا في القاعدة من الاستمرار بالتواجد العلني السابق والاستمرار بالعمل بنفس الأنماط السابقة، فكان لا بد من الانسياح المنظم من جديد، في كل المناطق التي نستطيع الوصول إليها في هذا العالم.
لم نهرب من المعركة:
قد يتساءل البعض: أهذه هي الرجولة أو أهذه هي المبادئ والقيم المرتبطة بالعقيدة التي تحملونها وتدعون إليها؟ وخصوصًا أن الإسلام يعتبر الفرار من الزحف خيانة عظمي والجواب علي ذلك يتمحور في عدة نقاط وهي:
1 ـ نحن لم نهرب من المعركة ونترك الاخوة في طالبان لمواجهة مصيرهم منفردين مع الأمريكان، وانما كانت خطتنا (الانسياح) في الأرض جميعا، ومحاولة فتح معارك جديدة ومتعددة مع الأمريكان من اجل تشتيت قواهم وحرمانهم من التركيز علي منطقة واحدة.
2 ـ الشكل الذي اختارته القيادة للمواجهة في النهاية يعتمد علي حرب العصابات الذي يتخذ أسلوب الفر والكر، وهذا يتطلب من الذين يقومون به أن يكونوا من أهل المنطقة، فسحنتنا ولغتنا ولهجتنا كعرب لا يتلاءم مع مثل هذه المهمات، أما من يتقن لغات ولهجات أهل البلاد، فكان له الخيار البقاء أو الخروج منحازًا إلي اخوة آخرين في مناطق صراع أخري.
3 ـ عملية خروج الاخوة وتفرقهم وانسياحهم في البلاد، تعطينا قوة وإمكانيات مادية وبشرية اكثر، نستطيع استخدمها في المعركة، وخصوصًا أن المعركة لم تعد محصورة في بقعة جغرافية محدودة وانما مجالها اصبح العالم كله.
4 ـ كنا ندرك أن هذه الخطوات مهمة جدًا لاستمرار الفكرة، ومهمة كذلك في عدم تمكين الأمريكان من تحقيق جزء من أهدافهم، وهو القضاء علي الاخوة والقضاء علي القيادة.
والنتيجة أن الخسائر لدينا كانت قليلة والحمد لله، وان القيادة ما زالت سليمة وتمارس عملها بكفاءة من ارض أفغانستان، وان الشباب الذين إنساحوا في العالم، فتحوا ساحات صراع جديدة بينهم وبين الأمريكان ومن يواليهم من المرتدين والمنافقين. ودليلنا علي ذلك النتائج التي حققها الأخ أبو مصعب واخوته في العراق.
كنت أنا المسؤول عن تأمين بعض الاخوة العرب وإيصالهم إلي إيران، ومن ثم توزيعهم حسب ما نراه مناسبًا، وكان الأخ أبو مصعب ومجموعته من ضمن هؤلاء الاخوة.
في ايران:
بدأنا بالتوافد تباعًا إلي إيران، وكان الاخوة في جزيرة العرب والكويت والإمارات من الذين كانوا خارج أفغانستان، قد سبقونا إلى هناك، وكان بحوزتهم مبالغ جيدة ووفيرة من المال، شكلنا حلقة قيادة مركزية وحلقات فرعية، وبدأنا باستئجار الشقق لإسكان الاخوة وبعض عائلاتهم.