الرّغم من كِبَر سنّه، ورسوخ قدمه في الجهاد، كان يسمع لإخوانه ولو كانوا أصغَرَ منه، كما أنني تعلمتُ منه بحقٍ معنى (الدّينُ النّصيحة) ، كنتُ أقرأ الحديث وشرحه، وما عِشتُ معناه حتى قابلتُ أبا خبّاب، الذي كان نَصُوحًا لإخوانه في حُبٍ وتواضعٍ وأدبٍ جمّ، كان لا يعرف المداهنة، ولا يسكت على خطأ، والحقّ أنّي كنتُ لا أقدّر هذه الصّفة حتى رَحَل أبو خبّاب، وابتُليتُ بمن لا ينصح ويكتم في نفسه حتى تتعاظمَ في نفسهِ الصّغيرة، فتصيرُ جبلًا لا يُطاق حَمله، ثم ما يلبثُ أن يّلقى ما به، فيتطايرُ شرَرُه وجمرُه حتى يصعب تداركُ بلاءِه ولو نصَحَ وألقى عن نفسه ما ظنّه لاستراح وأراحَ، وصفى له ودّ إخوانه؛ وإنّا لله وإنا إليه راجعون.
ثمَّ إنَّ أبا خبّاب كان صاحبَ المهمّات الجِسام، والأمور التي ليس لها إلاّ مثلُه، ففي بغداد تجمّع عدد من المجاهدين أو هكذا، كان جلّهم ضبّاط سابقين، ووضعوا خطّة لاقتحامِ سجن أبي غريب، لكنّهم قالوا ينقُصنا قائدٌ ميداني، يقودُ الشباب ويزرع فيهم الثّقة، ويُلهب في نفوسهم الحمّية؛ حميّة الإسلام، فلما سمِع القائد أبو خبّاب بالأمر، قال - وهو الصادق - أنا لها، أنا مستعد، ومن جميل أخلاق وطِباع الشّهيد، حبّه الشّديد لإخوانه وحرصه عليهم، وتلذّذه بالإنفاق عليهم، فيُعرف عنه أنه كلّما جاءَ إلى إخوانه كان يحملُ دائمًا كيسه المعبّأ بالمكسّرات والحلوى ولذيذُ الأطعمة، فكان يُنفق على إطعام إخوانهِ الكثير، وكان دائمًا يقول لي: القائدُ إذا لم يكن كريمًا جدًا، قلَّ حظُّه من حُبِّ إخوانه، وصدَقَ والله، كادَ الكرم أن يكون سيّد الأخلاق فلقد رأيتُ النّاس أكثر ما يحمدون من الشيوخ أسامة حفظه الله، وأبي مصعب وأبي السّمح، كرَمهُم الشديد، وأنَّ الذي بأيديهم ليس لهم.
وكان من أجلّ صفات أبي خبّاب - رحمه الله - حبُّه للأطفال واهتمامه بهم، وكثرة الإغداق عليهم، وأحسن ما يُعجبه من الأطفال النظيف الذّكي، كان أبو خبّاب يقول:"أحبّ النّاس إلي ثلاثة، الشيخ أسامة والدكتور أيمن وأبو مصعب الزرقاوي"، وكان يقولُ لأبي مصعب:"اجعلني وزيرك"، وواللهِ كان لها أهلًا وزيادة، وأصدقكم القول يا إخواني ما عرفتُ قيمة الرجُل، ولا كُنوز أخلاقه وباهرَ صفاته، إلاّ بعد مماته، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وإليكَ آخرُ يومين من حياة الشّهيد: سمِعَ بزوجةٍ لأحد إخوانه الشهداء في الموصل، فذهبَ إليهم ليتفقد أحوالهم، مع خطورةِ السّفر عبر الحواجز الأمريكية ونقاط التفتيش العراقية، إلاّ أنّه غامَرَ وذهب، وبعدما قامَ بالواجب نحوهم رجِع، وزارَ إخوانه في بغداد ثم أبدى تعجُّلًا ملحوظًا -حسبما ذكر أحدُ إخوانه - في المجيءِ إليّ في البيت حيثُ كان يسكنُ معي أبو عمر.
وإلى هنا أتوقّف عند أبي خبّاب، ونعود إليه لاحقًا، ونعرُجُ على أبي عمر - أبو عمر المصري -، هادئ الطّبع ليّن الجناح، سهلُ العِشرة، دمث الخُلُق، كريمٌ متواضع، سافرَ الشهيد - رحمه الله - في مطلعِ التسعينات إلى أفغانستان، حيث طافَ بين مُعسكراتها وتنقّلَ بين جبهاتها مشاركًا في الحربِ ضدَّ نظام"نجيب الله"الشّيوعي، وهناك انتهى إلى جماعةِ الجهاد المصريّة، وانخرَطَ في معسكراتِ تدريباتها، ثمَّ انتقل إلى اليمن بعد انتهاء الحُكم الشيوعي، وسيطرة المرتزقة على أفغانستان، وإبّان حروبهم الطّاحنة للسيطرة على السُلطة، وهناك- أعني باليمن- تزوّجَ من أختٍ يمانية من (الحدا) ، إحدى قبائل محافظة (ذمار) ، لكنه تعرّضَ للاعتقال أكثرَ من مرة، كانت أوّلها بعد نحو شهرٍ من زواجِه، فتمَّ تسفيره من قِبل الإخوة إلى"ألبانيا"، وظلَّ هناك تحت إمرة الشهيد البطل والشيخ المجاهد والعالم الرباني الشيخ أشرف"أحمد النّجار"، وظلَّ هناك حتى جاءت أحداثُ"كوسوفو"أو بدأت تدبُّ بأرجلها، واستعدَّ لها الإخوة هناك جمعًا للسلاح، وإعدادًا لمعسكر التدريب، ورصًّا للصفوف، ولكنّ الحكومةَ الألبانية العميلة طاردتهُم جميعًا، فقُبِضَ على الشيخ أحمد النّجار ورُحِّل إلى مصر، وكذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أُلقي القبضُ على الشجاع الهمام البطل المقدام الحييّ الخلوق، القارئ"أحمد إسماعيل صالح"، والمعروف بين المجاهدين الأفغان باسم"أنس خيبر"، فهو أشهرُ من نارٍ على علم، حيث كان أحد القوّاد المبرّزين، والقادة المؤثرين، وأميرًا لأسخن قطاعات جبهة جلال أباد، وأخيرًا تمَّ أسرُ الشّيخين الأحمدين لمدةِ عامين تقريبًا، وفي يوم قدوم بابا الفاتيكان"يوحنا بولس الثاني"إلى مصر، وفي نفس الساعة وبدونِ مقدمات، وفي خبرٍ عاجل تعجبَّ له الجّميع، تم إعدام الشيخين أنس خيبر والشيخ أشرف (أحمد إسماعيل ـ أحمد النّجار) ، وذلك ليكونا قربانًا وبرهانًا من حُسني اللّعين إلى بابا الفاتيكان، وعلامةً على تمام الولاء وبرهان الطّاعة، فهل للشيوخ من نصير ولثأرهم من مطالب؟.
وعودةٌ إلى الشّهيد أبي عمر، فقد أفلتَ من القبضِ عليه بأعجوبة بعد حصارِ بيته، وبعدها هربَ إلى إيطاليا في رحلةٍ مثيرة كثيرة المخاطر، وهناك أُلقي القبض عليه وتمَّ اتهامه بالإرهاب والتخطيط