فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 386

لتفجيرات وغير ذلك، فبقي في السّجن سنتين، بعدها أُفرج عنه لكن تحت المراقبة، فهرب إلى ألمانيا، ومنها زوِّر له جواز سفر ثمَّ سافر إلى دولةٍ ما ثمَّ إلى أفغانستان، ثمَّ شهِدَ مع إخوانه حرب الأمريكان وسقوط دولةِ الإسلام فبكى عليها من سويداءِ قلبه لأنّ من مِثله يعرفُ معناها فقد شعرَ فيها بالعزّ والأمان ولأول مرةٍ مُنذ سنين، وها هو الآن مطلوب منه أن يبدأ من جديد رحلة المطاردة.

وبالفعل بدأ الشهيدُ تلك الرّحلة، وفي هذه المرّة كنتُ معه، فبعد أن استمرَ بنا نحن العرب الانحيازُ من مدينة إلى أخرى، استقرَّ بنا المقام في مدينة (زرمت) الحدودية، عند القائد الهُمام ابن القائد السّلفي سيفُ الله بن نصر الله منصور، والذي قُتلَ أبوه قديمًا على يدِ بعض عصابات الإجرام التي تُسمّي نفسها بالمجاهدين، ثم شغَلَ الابنُ بعده منصبَ نائب وزير الدفاع، وقائدًا لجبهة كابُل في حكومة الطّالبان، وعُذرًا أخي؛ فللحديث عن تلك المنطقة شجونٌ يطولُ مقامها لكن ليس هذا موضوعها، المهم أنَّ أهل تلك المنطقة أعني (زرمت) ، جاءوا إلى (سيف الله) ، وقالوا له أخرِج العرب من هُنا نُقاتل مَعَك الأمريكان، فإن لم تُخرجهم تركناك وساعدنا الأمريكان، وتحت الضغط تمَّ إخراجُ العرب، وتهريبهم عبر الجبال والأودية وفي ظلامِ الليل وتحت رشَقات السّلاح ونِباح الكلاب.

بدأ (سيف) أبو عمر الشّهيد، - حيثُ كان هناك يُدعى سيف- هذه الرّحلة وباختصار حطَّت بنا الرّحال في إيران، وهناك بدأت رحلةٌ أخرى من المطاردة، حيث زوَّر جوازًا سعوديا فراحَ ورُحت معه نعدّ للسفر، وكانت هناك مراجعةٌ في مقرّ وزارة الخارجية الإيرانية، فراجَعَها، وهناك تمَّ اكتشاف أمره أو الشّك فيما يحمل من جواز وصحّته، فقُبض عليه، ولكن الله تعالى سلَّمه فنَجا، و تمَّ تسفيره إلى سوريا هو وأخٌ سعوديّ آخر، واستقلَّ الاثنان نفس الطّائرة، وكان كلّ واحدٍ منهما يحملُ جواز سفر سعوديّ، لكنّ الفرق أنَّ الأول مصريّ والآخر سعوديٌّ أصليّ، وعند التقدّم لبوّابة المرور، تمَّ القبض على الأخ السعوديّ، واقتيد مباشرةً إلى السّجن، فتقدّم الشّهيد أبو عمر إلى البوابة يجرُّ رِجلَه ويخطُّ بها الأرض، يكادُ بل يقول يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنت نسيا منسيّا، إلاّ أنَّ الله ألهَمَه أن يتوجه إلى بوّابة أخرى، ولما أمسَك الضّابط جوازه لوّح به إلى أحد زملائه يقول سعوديّ قال:"خليه يمشي".

وبالفعلِ ختموا له جوازه، وخرَج والفرحةُ بالنّجاة لا تكاد تصدّق وتوصَف، ومن ثمَّ جاء مباشرةً إلى العراق ودخل بشكل رسميّ قبل سقوط نظام صدّام، واتّصل بزوجته كي تأتي إليه، فمنذُ أن هرب من ألبانيا لم يرها ولا أولاده، فقد وُلِدَ له محمّد وأصبح عمره ثلاث سنوات ولم يَرهُ قطّ، وتقريبًا حُرِمَ من أولاده قرابة أربع سنوات - والله المستعان -، وجاءت الحرب العراقيّة، وشاهدْنا ذلك المنظرَ الرّهيب والكابوسَ المُرعب، منظرُ السيّارات وهي تخرُج من بغداد تحملُ العوائل، فالرجل يمشي وأولاده على الأقدام لقلّة السّيارات، وأخرى تحملُ عوائل تضمُّ عددًا كبيرًا من الأطفال والنّساء، الكلُّ يجري ولا يعلمُ أحدٌ إلى أين يذهب، وماذا سيحدث، وذكّرني هذا بنفس الموقف يوم خروجنا من كابُل.

أعود فأقول اتخذَّ الإخوة الموجودون في العراق قرارًا بعدم المشاركة في الحرب إلى جانب نظام صدام حتى الانتهاء من الحربِ وزوال ذلك النظام لأسبابٍ كثيرة، ليس هذا موضعُ ذكرها، لكنّ الحال قد ضاقت بعد زوال النّظام، وأصبح الرّافضة يتاجرون بالعرب بيعًا وشراءً، فقرّرنا المغادرة إلى دولةٍ أخرى، وبِعْنا أغراضَنا، لكن إلى أين، وكيف وماذا نفعل بالنّساء والصّبيان وهل سيُقبض علينا مرةً أخرى؟

وحلَّت بنا الهموم، وكرهنا الحياة بلا جهاد ومُنازلة، وفي هذا قلتُ قصيدة بعنوان (هموم مسافر) قلت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيها على ما مكنّني الله من البلاغة:

إلى متى نتيهُ في البلدان ... كسفينةٍ غَدت بلا رُبّان

أنّى اتجهت لدارٍ وجدتها ... مُقطبة عبوسة الأركان

بحرُ الحياة مظلمُ الأعماق ... لا خيرَ في بحرٍ كئيب فان

إذا أضاءَ بريقٌ فمصيرهُ ... موجٌ مريعٌ يحجبُ الشطآن

يا بانيَ الأحلام هلاّ يقظة ... فالحلم حتمًا ساقطُ الجدران

ليست لحييّ دارنا وطنا ... كُتب الفناء لزمرة الثقلان

ملعونةٌ على لسانِ نبينا ... إلاّ ذكرُ الله يا إخواني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت