فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 386

شَرِّق وغرِّب يا أخي فلن تجد ... دنيا تسرُّ فجهز الأكفان

إمّا مفارق وإمّا مبتلى ... فالموت يا صاح قريبًا دان

يا رب قتلًا لا أكون أسيرًا ... فالأسرُ أسوأ حالة الإنسان

قهر الرجال مصيبةُ الأحرار ... والحرُّ تقتلهُ ببنت لسان

ومع الاختصار، قرّرنا البقاء والتخفّي لعلّ الله يمنَّ علينا بنعمة الجهاد، وبدأنا بجمعِ السلاح من المعسكرات وكذلك الشّراء، ومن ثمَّ التخزين حتى يأتي اليوم الذي يزغردُ فيه"الكلاشن".

وبعد ذلك التقينا الأسد الشّيخ أبا مصعب، وبدأت قافلةُ الجهاد تتحركُ رويدًا رويدًا، حتى ملأت الدّنيا ضياءً، بنور الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وكان نصيبُ الشّهيد أبي عمر في ذلك موفورًا، حيث شارك إعدادًا وإرصادًا لكثيرٍ من العمليات الاستشهادية.

وأهمّ شيء وأكبر شيء قام به الشّهيد البطل، أنّه فتَحَ بيته للإخوة، فصارَ كأنه مَضافةٌ لهم مع صِغَر حجمه، فكان أهلُه وأولاده في غُرفة، والإخوة في غرفة بينهما"بردة"، ساترة، ولا يوجد في البيت إلاّ مرافق مُشتركة، وظلَّ الحالُ على هذا نحو ستّة أشهر يحتسبُ الرجل الأجر والثّواب، وأرى له راحةً وبشاشة عجيبتين، وكان دائم التّكرار لهذه المقوله"كنّا نتمنّى حُلول هذا اليوم فإذا جاء نقصّر ... لا والله"، فعلِم الله لقد رأيتُ منه ومن أهله تفانيًا عجيبًا إلى حدّ لا يكاد يوصف.

وعلى الرغم من أنَّ أبا عمر كان حافظًا لكتاب الله، كبيرًا في السّن مقارنةً مع الشّباب (عمره كان تقريبا 37 سنة) ، إلاّ أنّه كان يرى نفسه أصغَرَهُم وخادِمهم، مع طلاقة وجهٍ وحسن عُِشْرة عجيبة، وفي أحد أيّام هذا البيت حصَلت النّهاية السّعيدة، لتُثبت أنّنا أمام بطلٍ من طرازٍ فريد -سأعود إلى ذلك- أبو سُليمان الفلسطينيّ الأردنيّ الكويتيّ- أو هكذا كان يقولُ عن نّفسه، رجلٌ يملأ العين مهابة، ذكيّ نصوح، صاحبُ نُصحٍ ومشورة، بئرٌ عميقةٌ للأسرار.

يومَ المداهمة جئتُ إلى البيت كعادتي -تقريبًا -مع أذان المغرب، دخلتُ بيتي أُطمئنهم على وصولي، ثم صعدتُ إلى الإخوة في الطابق العلوي، حيث بيتُ أبي عمر، فوجدتُ الحبيبين أبا خبّاب، وأبا سُليمان، وأبلغني الإخوة بعد ذلك أنَّ أبا خبّاب كان متلهفًا للمجيء إلى البيت، مع أنه كان من المفروض ألاّ يكون هناك.

أقولُ في هذه اللّيلة جلستُ أتسامرُ مع بعض الإخوة، حتى بعد الثانية عشرة ليلًا نتذكر ما سلَفَ ونضحكُ لبعض المواقف. حتى قال لي أبو خبّاب"روح أنت عندك أولاد"، ثم استلقى على فراشِه وبدأ يستعدّ للنّوم، فتبسّمتُ وودعتهم ونزلتُ إلى بيتي.

وفي الساعة الثالثة فجرًا، دوّى انفجارٌ ضخمٌ ببيتي، فاستيقظتُ فزِعًا أنا وأهلي، فإذا بالدّخان يملأ الغرفة، وزجاجُ الغرفة متهشم، فللوهلة الأولى ظننتُ أنَّ عبوة انفجرت داخل البيت، حيث كنّا نعدُّ عبوات ناسفة نزرعها لقوّات الصّليب، لكني لم أفِق من الصّدمة إلاّ على صدمةٍ أخرى.

إذا بالميكروفون يذيع (نحن قوات التحالف، سلّموا أنفسكم خلال ثلاثين ثانية) ، فكّرتُ بالأمر سريعًا، ونظرتُ إلى من حولي فلم أرَ إلاّ بندقيةً واحدةً بمخزنٍ واحد، ولا أستطيع أن ألحق بالإخوة في أعلى الدار - الطابق العلوي -، إذ كنّا مفصولين تمامًا عن بعض، ولا طريق للصّعودِ إليهم إلاّ بالخروج إلى الحديقة ثم الصّعود، وكان الأمريكان قد ملئوا باحةَ المنزل، ولم يكن أمامي مكانٌ للمقاومة، فأخذتُ أهلي وذهبتُ بهم وبولدي إلى"المنور"أو المسقط الخلفي للبيت، حتى آخذهم وأضعهم في البيت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخلفي، ثم أحاول الهروب بهم أو بنفسي بعد الاطمئنان عليهم، فلمّا صعدتُ سور"المنور"، نظرتُ فلم أجد أهلي، وظللتُ أُنادي أهلي باسمها وكُنيتها فلم أسمع أو أرَ لها أثرًا، وإذا بصوت ينادي باسمي

فرددت عليه: نعم يا أبا عمر، ثمّ انقطع الصوت فلم أدرِ لماذا، فهمت أنّ أهلي ذهبت في مكانٍ ما داخل البيت المجاور، مع أبي عمر وكأنه ناداني لذلك لكن لم أهتدِ إليه لظروف الظّلام الدّامس.

فأخذتُ سلاحي وقفزتُ إلى البيت المجاور، ثم أردتُ أن ألحَقَ بالشّارع الخلفي فإذا بالأمريكان يملئون هذا الشّارع، ورأوني، لكنّهم ظنّوا أنّي من أصحاب المنزل، حيثُ كان جميعُ أهالي المنطقة قد استيقظوا على صوتِ الانفجارِ والمكبّرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت