فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 386

اعلم أيها الفار حرصًا على زيادة عمرلا يزيد بالفرار، ولا ينقص بالثبات، وخوفًا من هجوم أجل لا يتقدم نفسًا ولا يتأخر لتحتم وقت الممات، إن الموت لابد من نزوله على كل حال، وإنه لا يمنع منه الفرار في قلل الجبال، ولا يدفع عنه [الأعتزاز بحيل الرجال، {اَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء:78] . ومن سبق القدر بموته قتيلًا استحال أن يجد إلى غير ذلك سبيلا. {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} [آل عمران:154]

وما أحسن قول بعض الشجعان:

أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لن تراعي

فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لن تطاعي

فصبرًا في مجال الموت صبرًا ... فما نيل الخلود بمستطاعي

ومن لم يعتبط يهرم ويسأم ... وتسلمه المنون إلى أنقطاعي

لموت المرء خير من حياة ... إذا ما عد من سقط المتاعي

الفرار، يا هذا، سفرة من أسفار الموت، وحرص على ما لا يخشى فيه الفوت، ورب حياة كان سببها التعرض للوفاة، وموت سببه طول الحياة، وليس للمحارب حصن من الهلاك يلجأ إليه غير تأخير أجله، ومن أجتهد على الموت في سبيل الله وهبت له الحياة مع حسن عمله، الفار مسلم لنفسه والمقاتل مدافع عنها، وإذا أنقضت مدة الأجل فالمنية لابد منها.

وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تموت جبانا

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34]

لو لم يكن في القتل الذي تفر منه إلا الراحة من سكرات الموت وأهواله، لكان في ذلك ما يوجب الثبات، وإن لم تنظر إلى ما بعده وهو الفوز العظيم، وجوار الرب الكريم في دار النعيم المقيم، وما أحسن قول بعضهم:

وإنا لتستحلي المنايا نفوسنا ... ونترك أخرى مُرةً ما نذوقها

507 ـ وكان على - رضي الله عنه - يحرض على القتال ويقول: إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفسي بيده لألف

ضربة بالسيف أهون من موت على فراش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت