الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ... الاية فقال غلام ـ في مقدار خمس عشر سنة أو نحو ذلك ـ وقد مات أبوه وورثه مالًا كثيرًا يا عبد الواحد: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ... الاية} [التوبه:111] فقلت: نعم حبيبي، فقال: إني أشهدك بأني قد بعت نفسي ومالي بأن لي الجنة، فقلت له: إن جر السيف شديد، وأنت صبي، وإني أخاف أن لا تصبر وتعجز عن ذلك، فقال: يا عبد الواحد أبايع الله بالجنة وأعجز، أنا أشهد الله أني قد بايعته.
قال عبد الواحد: فتقاصرت إلينا انفسنا، وقلنا: صبي يعقل ونحن لا نعقل، وخرج من ماله كله، وتصدق به إلا فرسه وسلاحه ونفقته، فلما كان يوم الخروج كان أول من طلع علينا، فقال: السلام عليك يا عبد الواحد، فقلت وعليك السلام ربح البيع، ثم سرنا وهو معنا، يصوم النهار ويقوم الليل، ويخدمنا ويخدم دوابنا، ويحرسنا إذا نمنا حتى إذا انتهينا إلى بلاد الروم فبينما نحن كذلك، إذا به قد أقبل وهو ينادي: واشواقاه إلى العيناء المرضية، فقال أصحابي: لعله وسوس هذا الغلام، واختلط عقله، فقلت: حبيبي وما هي العيناء المرضية؟
فقال: إني قد غفوت غفوة فرأيت كانه أتاني آت فقال لي: اذهب إلى العيناء المرضية، فهجم بي على روضة فيها نهر من ماء غير آسن وإذا على شط النهر جوار عليهن من الحلي والحلل مالا أقدر أن اصفه، فلما رأينني استبشرن بي وقلن هذا زوج العيناء المرضية، فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المرضية؟ قلن: لا، نحن خدمها وإماؤها امض أمامك فمضيت أمامي، فإذا أنا بنهر من لبن لم يتغير طعمه في روضة فيها من كل زينة، فيها جوار لما رأيتهن افتتنت بحسنهن وجمالهن، فلما رأينني استبشرن بي وقلن: والله هذا زوج العيناء المرضية، فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المرضية؟ فقلن: وعليك السلام يا ولي الله، نحن خدمها وإماؤها فتقدم أمامك فتقدمت فإذا أنا بنهر من خمر، وعلى شطه جوار أنسينني ما خلفت، فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المرضية؟ قلن: لا، نحن خدمها وإماؤها امض أمامك، فمضيت فإذا أنا بنهر من عسل مصفى وجوار عليهن من النور والجمال ماأنساني ما خلفت، فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المرضية؟ قلن: يا ولي الله نحن خدمها وإماؤها امض امامك فمضيت أمامي فوصلت إلى خيمة من درة بيضاء، وعلى باب الخيمة جارية عليها من الحلي والحلل ما لا أقدر أن اصفه، فلما رأتني استبشرت، ونادت من في الخيمة أيتها العيناء المرضية هذا بعلك قد قدم.
قال: فدنوت من الخيمة، فإذا هي قاعدة على سرير من ذهب مكلل بالدر والياقوت فلما رأيتها افتتنت بها وهي تقول: مرحبًا بك يا ولي الرحمن، قد دنا لك القدوم علينا، فذهبت لأعتنقعها