حضهم على أمر مركب من القول وعدم الفعل، والمركب ...] بأحد جزئيه، فهل المراد نفي القول أو نفي الفعل؟ فتوبيخهم على قولهم ما لَا يفعلونه، هل معناه قولوا لنا لم لَا تفعلونه، أو أن الصواب أن لَا يقولوا آمنا لما لَا يفعلونه، والظاهر الأول، لأن الثاني ينتفي فيه مصلحة القول، وكان بعضهم يورد في الآية سؤالا، تقريره أن ما لا يلزمه فعل شيء فلم يفعله، إنما يعاقب على عدم الفعل لَا على التزام ما لَا يوف به،
وكأنَّ الجاري على هذا المعنى أن يقول: لم لم تفعلوا ما تقولون؛ لأنهم قالوا نفعل ونفعل، والجواب من وجهين:
أحدهما: أن العتب على القول يستلزم العتب على الفعل، لأن القول سبب في الفعل، فإِذا عتب على السبب استلزم العتب على المسبب، ومن هذا المعنى مسألة العريش في أكرية الرواحل من المدونة وهي من اكترى دابة ليحمل عليها، من مصر إلى فلسطين فَانْكَسَرَ الدُّهْنُ منها فعثرت بالعريش وَقِيمَتُهُ هُنَاكَ بِالْعَرِيشِ ضِعْفُ قِيمَتَهُ بِالْفُسْطَاطِ كَيْفَ يُضَمِّنُهُ؟ قَالَ: قِيمَتُهُ بِالْعَرِيشِ، وقال غيره: يغرم قيمته بمصر، لأنه منها تعدى.
الجواب الثاني: أن الخطاب فيه رفق بالمؤمنين، وذلك أن الفعل أخص من القول، ولازم الأخص غير لازم الأعم، فلا يلزم من العتب على الفعل العتب على القول.
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ... (4) }
ابن عطية: المحبة هنا صفة فعل، ولا ترجع للإرادة؛ إذ لَا يصح أن يقع ما يخالفها، ونحن نجد المقاتلين على غير هذه الصفة كثيرا انتهى، العكس كان أولى، لأن صفة الفعل ظاهرة فلو كان المراد به أنه ينصر الذين يقاتلون في سبيله، للزم الخلف في الخبر، لأنا وجدنا بعض النَّاس يقاتل ولا ينصر بخلاف الإرادة، فإنا لَا نطلع عليها ولا نعلمها، فيمكن أن يكون المقاتل مرادا أولا.