والقرآن يشير إلى تلك الحقيقة في مواضع شتى ، ويضرب للناس الأمثال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) [ الحج: 73 ] .
فالذباب في نظر الناس من أهون الأشياء وأحقرها .. ومع ذلك ، فهل يستطيع أحد - غير الله - أن يخلق ذبابة واحدة ولو اجتمع كل أهل السماوات والأرض ؟!
بل إن الأمر أبعد من ذلك في العجز ( وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ) ، فهم لا يعجزون فقط عن خلق الذباب ، بل يعجزون عن استرداد شيء سلبه الذباب منهم . إن الذباب يقف على الطعام فيقضم منه قضمة لا تكاد ترى ، أو يعلق بأرجله وأجنحته مثل ذلك .. فهل يستطيع أحد أن يسترد منه ما سلب من الطعام ؟!
ألا ما أعجز الناس .. والشركاء المزعومين !
( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) [ العنكبوت: 41 - 43 ] .
وإذا كانت حقيقة الكون كله قائمة على توحيد الألوهية والربوبية ، بالاستجابة لأمر الله ، والعمل بمقتضى هذا الأمر كما قال الله عن السماوات والأرض: ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) [ فصلت: 11 ] .
إذا كانت هذه هي حقيقة الكون فأي ظلم يوقع فيه الإنسان نفسه حين ينحرف عن هذه الحقيقة الهائلة التي تقوم عليها السماوات والأرض ؟
أي ظلم في إنكار الحق الذي يستجيب له الكون كله ويقر به ، وأي ظلم أن يورد الإنسان نفسه موارد الهلاك بهذا الإنكار ؟!
لذلك يصف الله الشرك بأنه ظلم ، ويصف المشركين بأنهم هم الظالمون: ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [ لقمان: 13 ] .