تعيش في داخل حدود"القوم"الذين تنتسب إليهم . فكان الله يرسل إليهم يومئذ رسلًا محليين ، كل منهم يدعو في داخل منطقة من الأرض محدودة ، ويدعو قومه خاصة فيقول لهم: ( يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) .
ويعلم الله سبحانه وتعالى في سابق علمه أن البشرية ستنضج ذات يوم وتصل إلى مرحلة الرشد ، وأن فوارق المكان والزمان ستضيق وتتذاوب ، فعندئذ يرسل إليها رسولًا واحدًا - هو خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم - فيبلغ الرسالة إلى آفاق الأرض ، ويحملها أتباعه من بعده إلى كل أطراف المعمورة ، بحيث لا يبقى صقع من أصقاع الأرض لا تصل إليه .
ومن ناحية أخرى فقد علم الله سبحانه وتعالى من خلقه - وهم في طفولتهم - أنهم يحتاجون إلى معجزة حسية حتى يؤمنوا بصدق الرسول الذي أرسل إليهم .
ومن طبيعة المعجزة الحسية أن تكون محصورة في نطاق ضيق ، هو نطاق المشاهدين الذين يستطيعون أن يروها بأنفسهم أو يسمعوا من قريب عن حدوثها ، لذلك كان طبيعيًا أن يعرض الرسول معجزته على"قومه"خاصة لأنهم هم القريبون منه الذين يتسنى لهم رؤية المعجزة أو السماع عنها .
ثم يعلم الله سبحانه وتعالى أن البشرية ستنضج ذات يوم فلا تصر على المعجزة الحسية ، المحدودة النطاق بطبيعتها ، وإنما يتيسر لهم أن يؤمنوا بمعجزة من نوع آخر ، غير محدود النطاق [1] ، فيرسل بها رسوله صلى الله عليه وسلم يبلغ بها العالمين .
والله هو الأعلم بخلقه ، وبما يصلح لهم في كل حين من الزمان: ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [ الملك: 14 ] .
4-شمولها لمطالب الحياة البشرية في جميع الميادين:
كما كانت الرسالات السابقة محدودة في المكان فقد كانت كذلك محدودة فيما تشمله من نواحي الحياة البشرية .
(1) سنتكلم فيما يلى عن المعجزة عامة والمعجزة القرآنية خاصة 0