وأموالهم وأنفسهم ، يذهب منهم من ذهب شهيدًا في سبيل الله ويبقى منهم من يبقى شهيدًا للحق بصبره وثباته وتجرده لله: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) [ الأحزاب: 23 ] .
وإليك نبذة سريعة عن أربعة من أولئك الرسل الكرام من أولي العزم:
من أبرز أمثلة الصبر على مشاق الدعوة والصبر على صدود المدعوين نوح عليه السلام . فلقد لبث يدعو ما يقرب من ألف سنة دون أن يستجيب له من قومه إلا أفراد قليلون ! وحتى ابنه لم يستجب إليه وغرق مع المغرقين ! وكذلك امرأته ! وإن من أشق الأمور على نفس الداعية أن يدعو دون أن يستجيب له الناس الذين يدعوهم إلى الخير وإلى النجاة ، ولكن أشق من ذلك أن يأتي الصدود من قبل المقربين من الأهل ، بما في ذلك الزوجة والولد ، أقرب الناس إلى الإنسان ، وأحراهم أن يكونوا أول المستجيبين .
ويقص القرآن الكريم علينا قصة نوح في مواطن كثيرة بالإيجاز حينًا وبالإطناب حينًا آخر ، ولكنها كلها تحمل العبرة لمن يتدبر القصة بقلب واع ولب متفتح ، ففي قصص الأنبياء كما يقول القرآن: ( عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) [ يوسف: 111 ] .
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ) [ العنكبوت: 14 ] .
واستمع إلى قصته مع قومه ( في سورة نوح ) :
( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ، يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ، قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ) [ نوح: 1 - 9 ] .