فماذا كانت نتيجة الدعوة المثابرة التي لا تفتر بالنهار ولا بالليل ، وتأخذ حينًا صورة الجهر وحينًا صورة السر ؟! ( قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ، وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ، وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ) [ نوح: 21 - 24 ] .
لقد كان قبل بعثته نجارًا . وكان معروفًا في قومه بالأمانة والاستقامة والاجتهاد في الصنعة ، فلما اختاره الله للرسالة اتبعه بعض المستضعفين من قومه ولكن الملأ - كما هي العادة - استكبروا وعصوا ، وراحوا يجادلون ويكذبون .
كانت دعواهم في التكذيب أنه بشر مثلهم ! ولو أراد الله أن يرسل إليهم رسولًا لأنزل ملكًا من السماء ، أما أن يرسل بشرًا مثلهم فأمر - في دعواهم - غير جائز ! فهو إذن كاذب في دعواه أنه رسول من عند الله ، وما يريد بدعواه هذه إلا أن يتميز عليهم ! فجزاؤه على ذلك أن يتهم بالجنون !
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ، فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ، إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ) [ المؤمنون: 23 - 25 ] .
ثم كان من دعواهم في التكذيب كذلك أن الذين اتبعوه ليسوا من علية القوم بل من أراذلهم ( كما يسمونهم ) :
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ، أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ، فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ) [ هود: 25 - 27 ] .
ثم طالبوه - زيادة في التعنت - أن يطرد أولئك الأراذل من صحبته إذا أرادهم أن يستمعوا إليه ، وأن يعلن أنهم مطرودون من رحمة الله أيضًا !