الآخر ويعمل حسابه في جميع أفعاله وأقواله فلا يسفل ولا يتدنى . فإذا فقدها فقد توازنه وأصبح أسفل سافلين كما يخبر الله عنه في كتابه الكريم .
والذي نراه اليوم في الجاهلية المعاصرة هو مصداق ذلك القول ، فلأي شيء يسعى الناس ، وعلى أي شيء يتصارعون ؟ مطالب الجسد ومتاع الجسد وشهوات الأرض . وفي النهاية يفقد الإنسان إنسانيته ويعود كالحيوان ، بل أسوأ من الحيوان: ( أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) [ الأعراف: 179 ] . 0
الضمير هو"النفس اللوامة"التي أقسم بها الله جل شأنه في كتابه العزيز: ( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) [ القيامة: 1 ، 2 ] .
وهذا القسم من الله العظيم الجليل جل شأنه له دلالته ، فإن الله العظيم لا يقسم إلا بشيء عظيم [1] .فإذا أقسم الله سبحانه وتعالى بالنفس اللوامة ، التي تلوم الإنسان على فعل الشر وتدفعه إلى عمل الخير ، فلا شك أن هذه النفس ذات وزن كبير في ميزان الله . وإنها لكذلك ، لأنها هي المحور الحقيقي لارتقاء الإنسان ومحافظته على قيمه العليا ، كما أنها المحور الحقيقي لاستقامة أمر البشرية في واقع حياتها .
فما الإنسان إذا فقد النفس اللوامة ؟ إن نفسه حينئذ هي النفس الأمارة .. أي الأمارة بالسوء .. منها ينبع السوء ، ومنها ينتشر الشر في أرجاء الأرض .
والنفس الأمارة بالسوء لا يهذبها ولا يرتقي بها ، ولا يرفعها إلى مرتبة النفس اللوامة إلا الإيمان بالله ، الذي يجعل الإنسان مستحقًا لرحمة الله المطهرة للنفس من دنسها: ( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ) [ يوسف: 53 ] .
أما الإلحاد والكفر فهو يذهب بالنفس اللوامة ولا يبقى إلا النفس الأمارة بالسوء .
(1) يأتى القسم في القرآن منفيًا أحيانًا ومثبتًا أحيانًا أخرى وكلاهما قسم. من أمثلة النفى: (( لا أقسم بيوم القيامة ) )، (( فلا أقسم بمواقع النجوم(75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ))ومن أمثلة الإثبات: (( والضحى(1) والليل إذا سجى ))، (( والفجر(1) وليلال عشر ))0