ولقد يخيّل إلينا لأول وهلة أن أوربا الملحدة ذات ضمير . فالتاجر هناك لا يغش ولا يخدع . والعامل لا يكذب ولا يخلف مواعيده . وأمور التعامل الفردي تقوم على الصدق والأمانة .
وهذا صحيح في مظهره . ولكنها في الحقيقة ليست أخلاقًا بالمعنى الحقيقي للأخلاق . إنما هي أخلاق التاجر الذكي الذي يحرص على كسب ثقة الزبون إلى آخر المدى ، فيتودد إليه بخصال الصدق والأمانة والإتقان .
أما المحك الحقيقي للضمير فله مجال آخر .
فأين الضمير في معاملة الزنوج في أمريكا بالفظاظة والغلظة إلى حد القتل في عرض الطريق ؟
وأين الضمير في استعمار الشعوب ونهب خيراتها وإبقائها في حالة من الفقر والجهل والمرض والضعف والهوان ؟
وأين الضمير في موقف هيئة الأمم المتحدة من قضية فلسطين ، وتحويل أهلها إلى لاجئين ؟
وأين الضمير في تقتيل المسلمين في الفلبين وغيرها من بقاع الأرض ؟
وأين الضمير في إلقاء فائض القمح في بعض البلاد في الأنهار والبحار لكي لا ينخفض سعره في الأسواق بينما الملايين في بقاع الأرض يتضورون جوعًا ولا يجدون حبة من القمح ؟
وأين الضمير في إغراء الناس بالفساد الخلقي على أوسع نطاق لكي يكسب بضعة ألوف من الناس ، ملايين الملايين من الأموال من أدوات الزينة والأزياء والأفلام السينمائية والصور الخليعة والخمر والمخدرات ؟
لعل صورة العالم اليوم هي أسوأ صورة له في التاريخ ..
فلم تمرّ على العالم فترة من فقدان السلام واضطراب الأمن أحلك مما مر به في هذا القرن الأخير .