فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 448

قبل مجيء الإسلام كانت البشرية كلها قد تردت إلى حالة شديدة من السوء ، وظلمات لا يبدو فيها بصيص من النور .

لم تكن الجزيرة العربية وحدها هي التي تسودها الجاهلية . وإنما كانت الجاهلية تعم وجه الأرض كلها بغير استثناء .

كانت هناك دولتان"عظيمتان"هما فارس والروم ، تحكمان معظم الأرض المعمورة يومئذ ، ولكل منهما"حضارة"تاريخية ! ولكن على أي شيء كانت تقوم تلك"الحضارات"؟ وعلى أي مستوى فكري وروحي ومادي كان يعيش"الإنسان"في داخلها ؟

في فارس كان كسرى هو الذي يحكم . ولكنه لم يكن ملكًا ، إنما كان إلهًا .. ! كانت مراسيم التحية التي تقدم له أشبه شيء بشعائر التعبد ! لم يكن يحق لأحد أن يدخل عليه حتى يمر بحاجب وراء حاجب ، فإذا مثل بين يديه انحنى له انحناءة عظيمة ، ويظل منحنيًا حتى يؤذن له بنصب قامته ! فإذا تكلم قدم لكلامه بعبارات من الثناء تُشعر بالخضوع والمذلة أكثر مما تُشعر بالرغبة في الثناء ! ثم إذا انصرف لم يحق له أن يعطي ظهره للإله المعبود ! بل يخرج بظهره ، حتى يظل وجهه هو المواجه لكسرى حتى يغيب عن ناظريه ، لأنه لا يجوز في حق ذلك الإله المزعوم أن يستدبره الناس بظهورهم لأن في ذلك ما يخدش عظمته وقداسته !!

وكان الناس عبيدًا بالفعل لذلك الإله . يعيشون - أيًا كان مستواهم - على الصورة التي يسمح بها كسرى ، أو تسمح بها تقاليد الملك المتوارثة منذ أجيال . وحفنة من الناس يستمتعون بخيرات البلاد ، أولئك هم بلاط كسرى ، المتحكمون معه في رقاب العبيد ، أما بقية الشعب ففي حالة من الذل والفقر والعبودية لا تليق"بالإنسان". وكانوا يساقون إلى الحروب التي يشنها كسرى أو قواده"الطموحون"يموت منهم من يموت لغير قضية يؤمن بها ، ويحيى من بقي حيًا في ذل العبودية والضياع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت