، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ) [ المدثر: 11 - 26 ] [1] .
ثم بيَّن لنا الله أنها قاعدة شاملة وليست ظاهرة فردية: ( إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) [ غافر: 56 ] .
وهذا الكبر عن عبادة الله أوضح ما يكون في الجاهلية المعاصرة، فهو ليس وقفًا على أصحاب المال أو الجاه أو السلطان، إنما سرى المرض في جسم الغرب حتى صار أتفه الناس شأنًا يستكبر عن عبادة الله !
ومن أهم أسباب الشرك في تاريخ الجاهليات كلها وجود طغاة من البشر يريدون أن يستعبدوا الناس ، ويسخروهم في قضاء شهواتهم ، فيرفضوا الانصياع لما أنزل الله ، ويضعوا من عند أنفسهم تشريعات لم يشرِّعها الله ، فيحلّوا ويحرّموا من عند أنفسهم ، اتباعًا لأهوائهم ، ويفرضوا تشريعاتهم المزيفة على الناس بما يملكون في أيديهم من سلطان
هؤلاء الطغاة في الواقع ينصِّبون أنفسهم أربابًا من دون الله حين يعطونها حق التشريع من دون الله ؛ لأن الله وحده هو صاحب هذا الحق حيث إنه هو الخالق سبحانه وإنه هو العليم الخبير: ( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) [ الأعراف: 54 ] .
(1) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ إِلَى ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ قَالَ: دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْأَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ ؛ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشَعْرٍ ، وَلَا بِسِحْرٍ ، وَلَا بِهَذْيٍ مِنَ الْجُنُونِ ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لَمِنْ كَلَامِ اللَّهِ ؛ فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النَّفَرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمِرُوا وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَأَ الْوَلِيدُ لَتَصْبَأَنَّ قُرَيْشٌ ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلٍ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ ؛ فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ ، فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ ؟ قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ . قَالَ الْوَلِيدُ: أَقَدْ تَحَدَّثَتْ بِهِ عَشِيرَتِي ؟ فَلَا يَقْصُرُ عَنْ سَائِرِ بَنِي قُصَيٍّ ، لَا أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ ، وَمَا قَوْلُهُ: إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا إِلَى لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ"جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ ( 32830 ) وتفسير ابن كثير - دار طيبة - (8 / 267) حسن لغيره"