فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 448

الباب السادس

الإيمان بالقدر

لا يتم إيمان الإنسان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره أنه من عند الله ، وأنه لا يكون شيء في الكون كله إلا ما قدره الله .

ووجوب الإيمان به واضح السبب لا يحتاج إلى جهد لتفهمه . فإن الأحداث التي تجري في الكون كله وفي حياة الناس إما أن تكون - في تصور الإنسان - آتية من عند الله ، هو الذي برأها وقدرها ، وإما أن تكون في تصوره آتية من عند غير الله أيًا كان المصدر الذي يتخيله . فإن كانت الأولى فقد آمن بالله حقًا ، وإن كانت الثانية فقد أشرك إذ ليس الشرك محصورًا في تقديم شعائر التعبد لغير الله ، ولا التحليل والتحريم من دون الله . إنما يكون الشرك في هذه الحالة في أصل الاعتقاد في"لا إله إلا الله".

إن المعنى الأول للا إله إلا الله هو أنه ليس في هذا الكون إله متصرف في شئونه إلاّ الله ، ومن ثم تترتب المعاني الأخرى: أنه لا معبود يستحق العبادة إلا الله . ولا أحد تنبغي له الطاعة إلا الله . ولا حاكمية إلا الله .

فتصوُّر أي إنسان أن أحداث الكون وتصاريف الحياة تأتي من أي مصدر غير الله سبحانه وتعالى هو شرك في أصل الاعتقاد ، ومعناه أن الله ليس هو المتصرف وحده في شئون الكون إنما هناك من يشترك معه في هذا الشأن .

وحتى لو اعتقد معتقد أن الأحداث تقع بالمصادفة - كما يعتقد بعض الجاهليين في القديم والحديث - لا بتدبير الله وعلمه وتقديره ، فهو على ذات الدرجة من الشرك ، لأنه في الواقع قد توهّم وجود قوة غير قوة الله سبحانه وتعالى قد أنشأت الأحداث وأجرتها بحيث تقع فيها المصادفة المزعومة على النحو الذي وقعت به .. وهو وإن قال بلسانه إن الأحداث تقع بغير تدبير ولا قصد ، إلا أنه يفترض في خياله أنها كانت سائرة أصلًا بدافع ما ، ثم تصادم بعضها مع بعض ، أو تصادف بعضها مع بعض بغير قصد .. فهو في النهاية يفترض أن هناك من يسيّر الكون وأحداثه غير الله . وهذا هو الشرك الأصيل !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت