فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) [ هود: 44 - 46 ] .
( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) وإن كان ابنك من صلبك . فقد فرقت العقيدة بينكما ، فلم يعد من أهلك ، لأن أهلك هم المؤمنون .. وهذا عمل غير صالح لأنه أبى أن يؤمن وأصرّ على الكفر .. فكان جزاؤه الحق هو جزاء الكافرين ..
وعندئذ يصل نوح عليه السلام إلى الذروة: ذروة التسليم لله ، والاطمئنان إلى قدر الله ، والرضى بما كتب الله ، وطلب الرحمة والمغفرة من الله: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ ، قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ) [ هود: 47 ، 48 ] . ( سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ) [ الصافات: 79 ] .
( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ النحل: 120 ] .
ولفظ"أمة"الذي ورد في الآية الكريمة يحمل مجموعة من المعاني . فمن معانيها أن إبراهيم عليه السلام - وحده - كان يساوي أمة كاملةً في عمق إيمانه ورجاحة عقله وكريم خصاله . ومنها أن إبراهيم عليه السلام كان أبًا لأمة خرجت كلها من ذريته ، فقد مد الله له في العمر وأمده بذرية واسعة عريضة كان منها عدد غير قليل من الأنبياء: ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ، وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) [ الأنعام: 84 - 87 ] .
ومن معانيها كذلك أن إبراهيم عليه السلام كان إمامًا . فقد قال الله له: ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) [ البقرة: 124 ] .