أنزل الله القرآن مصدقًا لما بين يديه كما ذكرنا آنفًا وناسخًا له . ثم تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ كتابه الأخير مما تعرضت له الكتب السابقة كلها من ضياع أو تحريف: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر: 9 ] .
ولقد بقي القرآن - كما أراده الله - محفوظًا خلال أربعة عشر قرنًا من الزمان ، وسيظل باقيًا ما شاء الله له أن يبقى ، لم يصبه تغيير ولا تحريف . لم ينقص منه ولم يزد عليه حرف واحد منذ أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم .
لقد منَّ الله على هذه الأمة بأن تكون خير أمة في التاريخ: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) [ آل عمران: 110 ] .
ومنَّ عليها ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم من بينها: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) [ آل عمران: 164 ] .
ومنَّ عليها كذلك بحفظ الكتاب المنزل إليها ، وعدم تعرضه للضياع والتحريف .
إن التوراة تولاها قوم غضب الله عليهم لأنهم كفروا بالله وقتلوا أنبياءه وعاثوا في الأرض فسادًا: ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) [ البقرة: 61 ] .
ومن هذه الصفات كلها التي اتصفوا بها عاثوا فسادًا في كتابهم المنزل عليهم فمحوا منه ما لم يوافق أهواءهم ، وأضافوا إليه أساطير ما أنزل الله بها من سلطان: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } (79) سورة البقرة [1]
(1) - فهلاك ووعيد شديد لأحبار السوء من اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله على نبيِّه موسى عليه الصلاة والسلام; ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا. فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابتهم هذا الباطل بأيديهم، ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام، كالرشوة وغيرها. التفسير الميسر - (1 / 93)