فهرس الكتاب
شيئًا مع الله . فعلام إذًا يذل لغير الله ؟ علام يبذل من كرامته وعزته لبشر مثله ، عاجز ولو كانت في يده مظاهر القوة ، ضعيف وإن كان جبارًا في الأرض ، محتاج مثله لما عند الله لأن الله هو الحي القيوم وكل ما عداه صائر إلى زوال ؟!
كلا .. لا يبذل المؤمن من عزته لأحد غير الله .
ولكن المشرك لا يعرف هذه العزة ولا يتذوقها .
إنه عبد .. ولكنها عبودية ذليلة لأنها ليست عبودية لله ، الكريم الرحيم ، الذي يُعزُّ عباده بعزته !
إنه عبد .. لبشر مثله يتحكم فيه فيذله ، أو عبد لشهواته: شهوة المال أو شهوة الجنس أو شهوة السلطان .. كلها عبودية ذليلة وإن بدت لأول وهلة متاعًا وتمكنًا وتجبرًا في الأرض
ثم يذهب هذا المتاع الزائل الذي تذل له أعناق الرجال ، ويأتي اليوم الذي يقفون فيه موقف الخزي الأكبر أما العزيز الجبار: ( أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) [ الشعراء: 205 - 207 ] 0
فالله سبحانه وتعالى فطر هذه النفس بحكمته ، وأنزل الكتاب الذي تعمل بمقتضاه هذه النفس فتكون على فطرتها السوية كما خلقها الله: ( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) [ الروم: 30 ] .
والدين القيِّم هو عبادة الله وحده بلا شريك: ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) [ هود: 50 ] .
وهي الكلمة التي قالها نوح وهود وصالح وشعيب وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء جميعًا .
ويعلم الله سبحانه وتعالى أنه حين يعمل الإنسان بمقتضى كلمة التوحيد هذه فإن نفسه تكون"في أحسن تقويم"وتكون على استوائها ، لأنها تتجه كلها وجهة واحدة في جميع تصرفاتها . فالإنسان - المؤمن - يتجه بصلاته ونُسُكه إلى الله ، ويضرب في الأرض يبتغي الرزق فيتوجه إلى الله يطلب منه التوفيق والعون ، ويتوجه إليه بالعمل ذاته فيبتغي فيه