أروع ما في هذه الحضارة أنها تعمر الأرض بأقصى ما في طاقة البشر من قدرة على التعمير في جميع الميادين وجميع الاتجاهات ، ولكن دون أن تقطع ما بين الإنسان وخالقه ، كما تصنع الحضارة الجاهلية المعاصرة في الغرب ، ودون أن تقطع ما بين الحياة الدنيا والآخرة ، كما تصنع تلك الجاهلية ، فتدفع الناس دفعًا إلى التكالب المزري على شهوات الأرض ، وعلى تحطيم كل القيم الفاضلة في سبيل ذلك المتاع الرخيص ، وما ينشأ عن ذلك حتمًا من فساد الفطر وفساد الأخلاق والصراع الرهيب الذي يهدد الأرض بالدمار !
كلا ! إن الإسلام ينشئ حضارة من نوع آخر ، أثمن وأعلى ، حضارة تعمر الأرض ، ولكنها تعمرها بمقتضى المنهج الرباني ، فلا تحرم الناس من المتاع الطيب ، ولكنها تحافظ على كيانهم الإنساني وهم يتناولون ذلك المتاع ، ولا تهبط بهم إلى مستوى الحيوان: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [ الأعراف: 32 ] ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ) [ محمد: 12 ]
تميزت هذه الدعوة كذلك بأن لها منهجًا فكريًا في البحث عن الحق .
إن هذه الدعوة تخاطب الإنسان كله ، وجدانه وفكره على السواء . وكما يستثير القرآن وجدان الإنسان لينفعل بمشاهدة آيات الله في الخلق فيحس بعظمة الخالق وقدرته المعجزة ، فيخضع وجدانه لعظمة الله ويستسلم له ، فكذلك يوقظ القرآن عقل الإنسان ليتدبر ، وليناقش الأمور مناقشة فكرية منطقية هادئة تصل به إلى اليقين .
فبينما يخاطبه ، لإثارة وجدانه ، بمثل هذه الآيات: ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي