لقد كرم الله إبراهيم عليه السلام حين ابتلاه الابتلاء العظيم فنجح في الابتلاء إذ أمره الله أن يذبح ابنه إسماعيل فاستسلم لأمر الله واستعد بالفعل للتنفيذ ، ففداه الله بذبح عظيم ، واختار إبراهيم بأن جعله للناس إمامًا: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) [ البقرة: 124 ] .
وفي لحظة التكريم تطلّع إبراهيم عليه السلام أن يظل هذا العهد لذريته من بعده فسأل ربه: ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) فأجابه الله سبحانه: ( قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .
ومعنى ذلك أن العهد يظل في ذرية إبراهيم إلا إذا ظلموا فيؤخذ منهم العهد .
ولقد بقي العهد بالفعل في بني إسرائيل ، وهم من ذرية إبراهيم عليه السلام عن طريق ابنه إسحاق: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائيلَ ، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ ) [ السجدة: 23 ، 24 ] .
( يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) [ البقرة: 47 ] .
ولكنهم ظلموا فنزع الله العهد منهم وأعطاه فريقًا آخر من ذرية إبراهيم عليه السلام هم أبناء إسماعيل جد النبي صلى الله عليه وسلم . وعندئذ ملأ الحقد قلوبهم وكفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم بعدما كانوا يترقبون مبعثه ويستفتحون به على كفار قريش ، يقولون لهم: سيظهر في جزيرة العرب نبي وسنتبعه ونزداد به عزّا ونقهركم به ، ظنّا منهم أنه سيكون من أبناء إسحاق ، فلما جاء من أبناء إسماعيل كفروا به !
( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ، بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ) [ البقرة: 89 ، 90 ] .
القرآن نسخ الكتب السابقة كلها