فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 448

ولقد علم الله سبحانه وتعالى من طبيعة البشر ، وهو خالقهم العليم بهم [1] أنه لا يكفي في هدايتهم أن يسمعوا كلمة الحق تلقى إليهم . بل لا بد أن يروها مجسدة في كيان بشري يتمثلها ويترجمها إلى واقع حي مشاهد وملموس ، وعندئذ تكون قريبة إلى حسهم ، قريبة إلى وجدانهم ، وتكون أيسر عليهم في التحقيق وفي التطبيق .

لذلك لا ينزل الله سبحانه وتعالى وحيه في قراطيس يقرؤها الناس ، وهو القادر سبحانه - لو شاء - أن ينزل على كل بشر قرطاسًا يقرؤه ! وإنما ينزل كلماته على قلب بشر ، يصنعه على عينه ، ويمنحه من الصفات ما يجعله خير أداة لحملها ، وخير نموذج لتقديمها للناس .

إن الله يدعو الناس بادئ ذي بدء إلى الإيمان به وحده بغير شريك ، ويبعث الرسل ليقولوا للناس: ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) [ هود: 50 ، 61 ، 84 ] .

ثم يدعوهم إلى صورة معينة من العبادة تتمثل في شعائر تعبدية وأوامر ونواهٍ تنظم حياة البشر على الأرض ، وتقيم بينهم العدل الرباني الذي ينبغي أن تقوم عليه حياتهم: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) [ الحديد: 25 ] .

ويرى الناس الإيمان المطلوب - أول ما يرونه - متمثلًا في سلوك الرسول الذي يدعوهم إليه ، فهم يرونه يدعو إلى عبادة الله الواحد غير مستند إلى جاه أو سلطان ، بل متحديًا بدعوته كل جاه أو سلطان !

إنه يجيء والملأ مستكبرون في الأرض بغير الحق ، يستعبدون الناس بغير سلطان شرعي ، لأنهم لا يحكمون بما أنزل الله ، فيعلن كلمته البسيطة التي تدوي في آذان الملأ كالصيحة المدوية: ( اعبُدوا الله ما لَكُم مِن إلهٍ غَيْرُهُ ) . ويدرك الملأ على الفور أن هذه الكلمة البسيطة ، المدوية في ذات الوقت ، معناها تنحيتهم عن سلطتهم الطاغية التي يستعبدون بها الناس ، ورد العبودية لله وحده ، يستوي في ذلك الملأ والمستضعفون على حد سواء !

(1) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )) (الملك: 14) 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت