فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 448

وهذا هو الذى يغب عن الوجدان حين يتبلد حس الإنسان على المشاهد المكرورة. ويغيب عن العقل حين تنطمس بصيرة الإنسان لسبب من الأسباب الكثيرة التى ذكرناها من قبل، فيقول كما يحكيه القرآن عن الدهريين [1] : {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (24) سورة الجاثية

أو يقول إن"الطبيعة"هى التى تخلق الحياة وتسلبها من الكائن الحى كما يقول دارون!

ويجئ القرآن فيزيل تلك الغشاوة عن النفوس، ويتحدث عن ظاهرة الموت والحياة حديثًا يهز الوجدان فيصحو من تبلده، ويتيقظ لحقيقة الألوهية التى يرجع إليها الموت والحياة0

( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ ) [ الملك: 1 - 4 ]

فالله الذى بيده الملك، والذى هو على كل شىء قدير، هو الذى خلق الموت والحياة، وما يستطيع غيره سبحانه أن يخلق الموت والحياة، فهما - بأسرارهما المعجزة - لا يقدر عليهما إلا من كان بيده مللك كل شىء، وكانت له القدرة التى لا يحدها شىء، ولا يعجزها شىء!

وهذا الإله القادر - سبحانه - الذى خلق الموت والحياة بقدرته، قد خلقهما لحكمة (( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) )، فاقتضت مشيئته أن يعيش الإنسان فترة معينة من الزمن على هذه الأرض، يعمل فيها وينشط ويتحرك ثم يموت، ليبعث مرة أخرى ويحاسب على أعماله. وكذلك قضى - لحكمة يريدها- أن تموت الكائنات الحية كلها بعد فترة معينة من الحياة، هو الذى يقدرها سبحانه لكل واحد من الأحياء، التى تبلغ ملايين الملايين من المخلوقات منذ أنشأ الله الحياة على الأرض، إلى أن تقوم الساعة في اليوم الموعود 0

(1) أطلق عليهم اسم الدهريين لأنهم قالوا: (وما يهلكنا إلا الدهر) فنسبوا الموت للدهر بدلًا من الله 0 كما أنهم أنكروا أن الله يبعث الموتى0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت