مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ) [ البقرة: 87 ] .
فأما التكذيب فقد أقاموه على هذه الدعوى المزعومة التي سبقت الإشارة إليها ، وهي أن المسيح الذي ورد ذكره عندهم في التوراة سيكون ملكًا عليهم ويجعل لهم سلطانًا على الأمم الأخرى . أما هذا فيتحدث فقط عن ملكوت الرب وليس بيده سلطان !
وأما التآمر لصلبه فقد كانوا يحرضون ضده الحاكم الروماني المسمى"بيلاطس"المولّى على فلسطين من قبل الرومان . كانوا يقولون: إنه شخص مشاغب ومهيج للجماهير ! وإنه يحرضهم على عدم إطاعة القيصر الروماني ! وقد حاول بيلاطس أن يصدهم عن هذه الاتهامات ، وقال لهم: إنه لم يسمع عنه إلا كل خير ، وإنه يدعو إلى السلام والمحبة ، فقالوا له: إن الأمن لن يستتب في الأرض إلا إذا حوكم هذا الرجل وصلب ! وإنه طالما بقي حيًا فستظل الاضطرابات قائمة من حوله ! ثم لفقوا له قضية يكون من نتيجتها محاكمته وصلبه . وهم يزعمون أنهم قتلوه بالفعل فوق الصليب . ولكن القرآن يكذب ذلك تكذيبًا قاطعًا ، كما تكذبه كتابات كثيرة للنصارى أنفسهم ، بل إن الأناجيل ذاتها مضطربة اضطرابًا شديدًا حول هذا الموضوع . والذي حدث بالفعل هو أن الله ألقى شبهه على شخص آخر ( يهوذا الأسخريوطي ) فأخذ وصلب بدلًا من المسيح [1] . أما المسيح فقد رفعه الله إلى السماء ونجاه مما كان اليهود يكيدون له:
( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ، بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) [ النساء: 157 ، 158 ] .
أما قوله تعالى في سورة آل عمران [ 54 ، 55 ] : ( وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ، إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
(1) يهوذا الأسخريوطى كان واحدًا من الحواريين (تلاميذ المسيح) ولكنه خانه سرًا وتآمر ضده مع اليهود. وتقول الروايات المسيحية نفسها: إنه كان أشبه الناس بالمسيح، كما تقول الروايات التاريخية الصحيحة إن عملية الصلب تمت في الغسق أثناء دخول الظلام وإن الجماهير التى حرضت ضد المسيح رأت يهوذا فحسبته هو المسيح - لقرب الشبه بينهما - فدفعته دفعًا إلى الجنود فوضعوه على الصليب. أما المسيح فقد اختفى وظل الناس يبحثون عنه فلا يجدونه 0