فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 448

وقد صدق ذلك كله بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، على مستوى غير معهود في تاريخ الرسل من قبل .

ولا نقول: إن هذا كان شعور أمه صلى الله عليه وسلم ، فربما كانت الرؤيا التي رأتها هي التي أعطتها إرهاصًا بذلك . ولا نقول كذلك: إنَّ هذا كان شعور عمه أبي طالب ولا جده عبد المطلب ، فربما كانت صلتهما المباشرة به هي التي أوحت إليهما بذلك . إنما كان هذا شعور قريش كلها على اختلاف مشاربها ، كما كان هذا إحساس كل من رآه ولو مرة واحدة في رحلة من رحلات التجارة التي شارك فيها أو طائفًا حول الكعبة أو جالسًا صامتًا لا يلهو كما يلهو الشباب من أقرنه .

لقد كان سمته ، حتى في شبابه الباكر صلى اله عليه وسلم ، سمت الرجل الوقور العميق التفكير ، ومشاعره مشاعر"الإنسان".

ولقد كانت الجاهلية تعج بالمفاسد واللهو وتفاهة الفراغ ، وإن لم تخلُ من رجال هنا وهناك لهم هيبة ووقار وجد . ولكن هذا الأمر كله كان نادرًا شديد الندرة بين الشباب . والشاب الذي لا يلهو في الجاهلية يكون عجيبًا ! فإذا أضاف إلى جده ووقاره أنه لا يغشى مجالس الشراب التي يغشاها حتى الشيوخ من ذوي الوقار ! ولا يقارف شهوات الجاهلية وإن كانت مباحة لا حجر عليها ولا إنكار من أحد ! ولا يذهب إلى تلك الأصنام المنصوبة إلى جوار الكعبة ، وإن كانت موضع العبادة والتقديس من الجميع ! ويتعفف عن الظلم في تلك الجاهلية التي يقول شاعرها:

ومن لم يَذُدْ عن حوضه بسلاحِهِ يُهّدَّمْ ومَنْ لا يَظلم الناس يُظلمِ !

إذا أضاف ذلك وغيره من الصفات الكريمة النادرة إلى الوقار والجد في سن الشباب ، فلا شك أنه يلفت نظر كل من حوله ، لأن أحدًا من الشيوخ أنفسهم لا يتوافر فيه ذلك فضلًا عن الشباب .

ثم إن صفةً من صفاته صلى الله عليه وسلم كانت من البروز والعمق حتى إنها لفتت نظر قريش كلها ، تلك هي لأمانة ، حتى لقبوه بالأمين ، وكان الناس يودعون لديه أماناتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت