وكما حفظ الله القرآن الكريم بقدرته حيث قال جلََّت قدرته: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر: 9 ] .
فقد حفظ كذلك السُّنة المطهرة وحفظ السيرَةَ النبوية الكريمة فلم تضع كما ضاعت سِيَرُ كثيرٍ من الأنبياء من قبل ، ولم تدخل عليها التشويهات والتحريفات التي دخلت على سِيَر أنبياء بني إسرائيل من موسى إلى عيسى عليهما السلام فيما يُسَمَّى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ( المقابلين للتوراة والإنجيل ) .
إن من يقرأ العهد القديم بصفة خاصة يتقزز من بشاعة ما ألصق بالأنبياء - في سِيرهم المزيفة - من تهم فاحشة لا تليق بشخص عادي ، فضلًا عن نبي مرسل . فما من جريمة في الأرض - على بشاعتها - إلا ألصقت زورًا وبهتانًا بأولئك الأنبياء ، من قتل ، وسرقة ، وغصب ، ونهب ، وغش ، وكذب ، وفسق خلقي !! وهذا كله مكتوب بأيدي المؤمنين بأولئك الرسل ! وصدق الله العظيم: ( قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [ البقرة: 93 ] .
( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) [ البقرة: 79 ] .
لقد حرَّفوا سير أنبيائهم لا عن جهل ، ولكن ليبرروا لأنفسهم شناعة سلوكهم في الأرض ! فإذا كان أنبياؤهم يصنعون ما ينسبونه إليهم من أفاعيل ، ألا يكونون هم في حل مما يفعلون ؟!
فأما الأناجيل في تزويرها لسيرة عيسى عليه السلام فلا تقلّ نكرًا وإن كان على صورة أخرى ! وأيّ شيء أشد نكرًا من تأليه عيسى وادِّعاء بنوته لله ؟! ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) [ مريم: 88 - 91 ] .
ذلك ما أصاب سِير الأنبياء من قبل من نسيان أو تحريف ، فأما سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد صانها الله عن العبث وعن النسيان ، ووكلها - بقدر منه - إلى أمة ذات قدرة غير عادية على حفظ الروايات والنصوص ، ومن ثَمَّ بقيت محفوظة على مدار