فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 448

إن في الفطرة البشرية كما خلقها الله مجموعة من الدوافع أودعها الله في الفطرة لتعين الإنسان على القيام بما كلف به من أمر الخلافة في الأرض ، كدافع الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس والتملك وإثبات الذات .. إلخ . ولكن هذه الدوافع مع ضرورتها لعمارة الأرض خطيرة على الكيان البشري إذا تركت بلا ضابط يضبط منطلقها . فعندئذ تتحول إلى شهوات جامحة لا يملك الإنسان نفسه من سلطانها . والنظام الأمثل هو الذي يسمح لهذه الدوافع بالقدر المعقول من الحركة فلا يعطلها ولا يكبتها من أصولها ، وفي الوقت ذاته يضبط منطلقها فلا تتحول إلى شهوات ، فيأخذ الإنسان نصيبه من المتاع الطيب ، وينضبط سلوكه في ذات الوقت في الحدود التي لا تعود عليه بالعطب والدمار .

وذلك بالضبط هو ما صنعه الإسلام .

يتيح للدوافع كلها أن تعمل ، لا يستقذر شيئًا منها ولا يستنكره ، وفي الوقت ذاته يعمل على تهذيب هذه الدوافع والارتفاع بها إلى أقصى ما يملك الإنسان من رفعة في حدود كيانه البشري ، فلا تصبح شهوات جامحة وإنما رغبات منضبطة بالحدود التي رسمها الله - بعلمه وحكمته - وقال عنها: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ) [ البقرة: 187 ] ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ) [ البقرة: 229 ] .

لذلك لا يُقرّ الإسلام الرهبانية ، لأنها تعطل دوافع الفطرة وتكبتها

عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قال: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ . قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّى أُصَلِّى اللَّيْلَ أَبَدًا . وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ . وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا . فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّى وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى » [1] 0

(1) - صحيح البخارى- المكنز - (5063 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت