فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 448

وأقوى دليل على أن هذه العناية لم يكن القصد بها مجرد الرد على الشبهات القائمة في نفوس العرب المشركين وأهل الكتاب فحسب ، إن الحديث في التوحيد ، والدعوة إلى ترسيخ الإيمان به ، وتوسيع مساحته في النفس حتى يشمل كل أقطارها ، ظل يتنزل على المؤمنين في المدينة ، حتى بعد ان آمنوا ، وحتى بعد أن قام مجتمع مؤمن يقاتل في سبيل نصرة هذا الدِّين ، ودولة تحرسه من دون المعتدين:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ ) [ النساء: 136 ]

فالدعوة هنا - كما هو واضح - ليست للكفَّار ولكن للمؤمنين .. ودعوتهم إلى الإيمان - وهم مؤمنون بالفعل - معناها دعوتهم إلى الحرص على الإيمان وإلى مزيد من الإيمان !

نعم ، لقد جلّى القرآن قضية التوحيد وقضة الشرك بأجلى بيان .. وتتبعها في النفس البشرية بكل دروبها ومنحنياتها ، لكي لا يعشش الشرك في أي ناحية منها ولا يخالط أي عمل أو فكر أو شعور يصدر عن المؤمن أو يخطر في دخيلة نفسه .

لقد بين القرآن - بادئ ذي بدء - قضية على أقصى درجات الأهمية ، وهي أن الشرك ليس محصورًا في تقديم شعائر التعبد لغير الله ، ولكنه يشمل كذلك الحكم بغير ما أنزل الله:

( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ) [ الأعراف: 3 ]

( وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) [ النحل: 35 ] .

فعدم اتباع ما أنزل الله - في آية"الأعراف"- صنو لاتباع الأولياء من دون الله ، أي أنه شرك . وآية"النحل"تفصل أعمال الشرك - على لسان المشركين - فإذا هي عبادة غير الله والتحريم ( والتحليل ) بغير إذن من الله ، أي عدم اتباع ما أنزل الله .

وجاء في [ النساء: 65 ] : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت