فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 448

ولا يعود المشهد يثيره. أما الحركة المستمرة فلا يمكن للحس أن يتبلد إزاءها، ولابد أن يلتفت ويتيقظ0

فالآية تبدأ بخلق السماوات والأرض، وهو حدث قديم لم يشهده الإنسان ولكنه يرى آثاره ماثلة أمامه. ولكن السياق القرآنى لا يدع صورة الخلق ساكنة أمام الحس بل يحرك الصورة بتحريك مفرداتها. فالليل والنهار يدوران ويختلف طولهما في أثناء تعاقبهما المستمر، والفلك تجرى في البحر بما ينفع الناس، والماء النازل من السماء يتسم بالحركة كذلك، وهى حركة النزول نحو الأرض. ولكن الحركة لا تنتهى هنا: فمن هذا المطر النازل يخرج النبات الحى من الأرض التى كانت مجدية من قبل، والتعبير القرآنى يقول: (( فأحيا به الأرض بعد موتها ) )فيصور الأرض كانت ميتة فتحركت بالحياة بعد نزول المطر، كما يقول: { وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (5) سورة الحج ، ولكن الحركة لا تنتهى هنا كذلك؛ بل تستمر لتصور الدواب جاءت تسعى أكل النبات الذى أخرجته الأرض بالمطر، والتعبير القرآن يقول: (( وبث فيها من كل دابة ) )والبث حركة في جميع الاتجاهات في وقت واحد . ثم يجئ ذكر الرياح وهى متحركة بطبيعة الحال، فإنها لا تسمى رياحًا إلا إذا تحركت حركة شديدة ملموسة. وأخيرًا يذكر السحاب متحركًا كذلك مسخرًا بين السماء والأرض، وهكذا تشمل الحركة كل الكائنات، ويتملاها الحس في حركتها الدائبة فينفعل بها ويتحرك معها0

ولا تنس كذلك أن التعبير القرآنى يلفت الحس البشرى في أثناء عرض هذه الحركة المستمرة إلى الله سبحانه وتعالى، الذى تحرك قدرته كل هذه الأحداث: { وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (164) سورة البقرة، وهكذا يذكر لفظ الجلالة الصريح مرة ويعود الضمير عليه مرتين متواليتين بعد قوله (فأحيا) وقوله (وبث) ، ثم يلفت إليه الحس مرتين أخريين في قوله تعالى: (( وتصريف الرياح ) )وقوله: (( والسحاب المسخر ) )، إذ الإشارة واضحة إلى أن الذى يصرف الرياح هو الله، والذى يسخر السحاب هو الله0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت