فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 448

ولهذه الشواهد الثلاثة دلالة على أصالة مبدأ الشورى في النظام الإسلامي وعمق موضعه من البناء السياسي للأمة الإسلامية .

فقد كان الله سبحانه وتعالى قادرًا على أن يوحي إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالمكان الذي ينزل فيه يوم بدر ، والمعركة كلها من أولها إلى آخرها تمت بتدبير الله دون أن يكون للمسلمين إقدام عليها ولا استعداد لها: ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) [ الأنفال: 5 - 8 ] .

ولكن الله سبحانه وتعالى ترك المسلمين يتشاورون في هذا الأمر تقريرًا لمبدأ الشورى في مثل هذه الشئون:

أما في قضية الأسرى فقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم برأي خطَّأه الوحي ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) [ الأنفال: 67 ، 68 ] .

والله يعلم سبحانه وتعالى يعلم في سابق علمه أن هذا سيحدث ، ولكنه لم يمنع رسوله صلى الله عليه وسلم من الأخذ بالرأي الخاطئ بوحي يوحيه إليه قبل تنفيذ المشورة ، ولم يأمر كذلك بمنع مبدأ المشورة بعد ذلك الحادث ، لكي يتقرر في حياة المسلمين أن المشورة عنصر أساس في البناء السياسي للأمة ، ولو جاءت أحيانًا برأي خاطئ . فالبشر عرضة دائمًا للخطأ ، ولا تقتصر الشورى على الصواب وحده بحيث تسحب من الأمة إذا أخطأت في المشورة !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت