( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ) [ البقرة: 177 ] .
وهكذا يرتبط الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله مباشرةً كأنه مكمِّل له .
ونستطيع أن ندرك أهمية الإيمان باليوم الآخر في سلوك الفرد وسلوك الجماعة إذا عرفنا نفسية الشخص الذي لا يؤمن بالآخرة وطبيعة تصوره للحياة الدنيا وطريقة شعوره بها .
إن الحياة الدنيا في حسه هي الأولى والأخيرة . والعمر فرصة واحدة إن لم تنتهب فسوف تضيع ! وإذا كان العمر - مهما طال - محدودًا بسنوات ، ولذائذ الحس كثيرة ومتنوعة ، فالبدار البدار !
هكذا تكون القضية في حس الذي لا يؤمن باليوم الآخر . فرصة وحيدة محدودة ينبغي أن تُنتهز ويُؤخذ فيها أكبر قدر من الملذات .. ولذلك تتكالب الجاهليات دائمًا على متاع الأرض وتتصارع فيه ، وتنحصر اهتماماتها في حدود الحياة الدنيا .
والجاهلية المعاصرة نموذج لما نقول ..
فما الذي يشغل الأفراد فيها ويشغل الجماعات ؟
أما الفرد فهو يعمل وينتج . ولكن لأي هدف ؟ ليحصل على أكبر قدر يستطيع الحصول عليه من المال ، ثم ينفق هذا المال في الحصول على أكبر قدر من المتاع ، يستوي في حسه أن يكون من المتاع الحلال أو الحرام ! بل إن فكرة الحرام لا تخطر على باله في سبيل الجد ! فالأصل عنده هو الاستمتاع ، قبل أن تفوت الفرصة التي إن مضت لا تعود ! فما معنى الحرام في حسه ؟! إنه ليس إلا قيدًا على المتاع ! وهو قيد - في نظره - غير معقول ولا موجب له ، لأنه يضيّع الفرص المحدودة التي لن تعود !
لذلك أيضًا فإن قيد الأخلاق وقيد الضمير وقيد المشاعر الإنسانية كلها قيود غير معقولة ، كقيد الحرام سواء بسواء ! ومن ثم تفسد الأخلاق في الجاهلية ، ويضعف وازع الضمير وتحل المصلحة محله . أما المشاعر الإنسانية والقيم العليا فتُعدّ سخفًا وسذاجة لا تليق بإنسان عاقل ، إذا هي فوتت عليه فرصة للمتاع !