انظر هذه الآية من سورة الأنفال: ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ) [ الأنفال: 59 ] .
فما معناها ؟ معناها أن الكفار الذين يرغبون في إزالة هذا الدين من الأرض وعدم التمكين له لن يسبقوا قدر الله الذي قدر لهذا الدِّين التمكين والظهور: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) [ الصف: 9 ] .
ولن يُعْجِزُوا الله عن تنفيذ قدره الذي قدره بالتمكين لهذا الدين .
فهل معنى ذلك التواكل على قدر الله وعدم الأخذ بالأسباب ، ما دام الله قد قدّر هزيمة الكفار في محاولتهم ، وقدّر النصر والتمكين لهذا الدِّين ؟
انظر إلى الآية التالية مباشرة تجد فيها الجواب: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) [ الأنفال: 60 ] .
إذن - وقَدَرُ الله مؤكد الوقوع ، وهزيمة الكفار مقدرة ومقررة - لا بد من الأخذ بالأسباب . لا بد من إعداد القوة والجهاد بالأنفس والأموال .
ذلك هو الفهم الصحيح لعقيدة القدر كما فهمها الجيل الأول من المسلمين رضوان الله عليهم . لا تنفي مسئولية الإنسان عن عمله ، ولا تدعو إلى القعود عن تغيير الواقع ، ولا تدعو إلى التواكل وعدم الأخذ بالأسباب انتظارًا لقدر الله !
وذلك هو الفهم الذي ينبغي أن يعود المسلمون إليه ، ليزول عنهم ما أصابهم من فقر وجهل ومرض وتواكل وعجز ، وما ترتب على ذلك كله من غلبة عدوهم عليهم ، وهوانهم على أنفسهم وعلى الناس !
وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما المرجع الذي ينبغي أن نرجع إليه من أجل تصحيح مسيرتنا كلما انحرفت خطواتنا على الطريق .