فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 448

الآخرة، وأعمال أخرى على أنها للآخرة وحدها منفصلة عن الدنيا، عندئذ لابد أن يحدث الاختلال في حسه فتغلب مجموعة من الأعمال على الأخرى. فإما أن تجذبه الدنيا رويدًا رويدًا حتى ينسى الآخرة، وإما أن تجذبه الآخرة رويدًا رويدًا حتى ينسى الدنيا. وكلاهما في نظر الإسلام اختلال. فالأول ينشغل بالسعى وراء الرزق والحصول على أكبر قدر من متاع الدنيا، والآخر يزهد في متاع الدنيا وينشغل عن طلب الرزق وتعمير الأرض. ويصبح كل منهما مقصرًا وآثمًا في حق الله0

إنما يحدث التوازن الذى تشير إليه الآية: (( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ) ) (القصص:77) 0

حين ترتبط الدنيا والآخرة في حس الإنسان فيعمل للآخرة وهو يعمل للدنيا في ذات الوقت. فلا يهمل العبادة ولا يهمل عمارة الأرض0

3-تحدثنا في باب الإيمان بالقدر عن التوازن في حس المسلم بين الإيمان بالقدر وبين الأخذ بالأسباب. وهو من أجمل خصائص العقيدة الإسلامية. إن المتواكلين يزعمون أنهم يتوكلون على الله ثم يهملون الأخذ بالأسباب. إن المتواكلين يزعمون أنهم يتوكلون على الله ثم يهملون الأخذ بالأسباب جملة فيصيبهم ما يصيبهم من فقر ومرض وجهل وعجز وهوان في الأرض. وإن الجاهلية الأوربية من جانب آخر تأخذ بالأسباب منقطعة عن الله وقدره، فتنتج إنتاجًا ماديًا ضخمًا ما يصيبها من قلق واضطراب وأمراض عصبية ونفسية وجنون وانتحار وضياع لأنها تفقد الطمأنينة التى يجدها المؤمن لذكر الله ولقدر الله0

والإسلام يوازن موازنة جميلة بين هذين الحدين المتطرفين، فهو يعلم الناس أن هناك سننا ربانية يدير الله بها الكون المادى والحياة البشرية. وأنه لابد من اتباع هذه السنن ومجاراتها إذا رغبنا في الوصول إلى نتائج معينة، ومقتضى ذلك هو الأخذ بالأسباب. ولكنه في الوقت ذاته يربى المؤمن على ألا يتكل على الأسباب الظاهرة فيحبط عمله، إنما يظل قلبه موصولا بالله، متطلعا إليه أن ينجح مسعاه ويوصله إلى النتائج المرغوبة. وبذلك يتوازن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت