تعالى له فلا يتجاوزها، كالتشريع من دون الله، وموالاة الكفار ومناصرتهم على المسلمين، أو العبث والاختلاس الهائل من مال الأمة العام.
وكثيرٌ من الناس يظنون أن هذا من صلاحيات ولي الأمر، ولا يعلمون أن هذه الأفعال مِنَ الحاكم؛ هي من الكبائرِ العظامِ في شريعتنا، ولا تجبُ لهُ فيها الطاعة، بل إن تشريعه من دون الله وموالاته للكفار كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملة، يوجبُ الخروجَ عليه [[1] ]بَعدَ إعدادِ ما يلزم [[2] ].
ولو أنهم قرؤوا القرآن والسنة - وهذا ما ينبغي علينا - وتدبروا فيهما لاتضح لهم ذلك جليًا في نصوصٍ كثيرة، ومن ذلك حديثُ عديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه [[3] ]، وكان قد تنصّرَ في الجاهلية، وكان يظن كما يظن كثيرٌ من الناس أن اتّباعَ السادةِ والكبراء من الأمراء والعلماء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله ليس عبادةً لهم وليس كفرًا بالله تعالى، لأنه لم يصلِّ لهم ولم يصم، ولكنه عندما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [سورة التوبة: 31] [[4] ]، قال: (فقلت؛ إنهم لم يعبدوهم!) ،
(1) قال ابن حجر: (إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها) اهـ [الفتح: ج7/ص13] ، وقال القاضي عياض: (أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل) اهـ [شرح مسلم: ج12/ص229] .
(2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) اهـ [الفتاوي: ج28/ص259] .
(3) الطائي، الجواد ابن الجواد، المشهور، وقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان، سنة 7 هـ، ولما ارتدت العرب ثبت على الإسلام هو وقومه، وكان أول صدقة قُدم بها على أبي بكر صدقة عدي وقومه، شهد فتح المدائن، وشهد مع علي حروبه، وفقئت عينه يوم الجمل، وله في الكرم حكايات مشهورة، عاش 120 سنة، وتوفي سنة 68 هـ [إتحاف الكرام، للمباركفوري: ص401] .
(4) قال الشهيد سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية: (أن العبادة هي الاتباع في الشرائع - بنص القرآن وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم - فاليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا؛ بمعنى الاعتقاد بألوهيتهم أو تقديم الشعائر التعبدية إليهم، ومع هذا فقد حكم الله سبحانه عليهم بالشرك في هذه الآية، وبالكفر في آية تالية في السياق، لمجرد أنهم تلقوا منهم الشرائع فأطاعوها واتبعوها، فهذا وحده - دون الاعتقاد والشرائع - يكفي لاعتبار من يفعله مشركا بالله الشرك الذي يخرجه من عداد المؤمنين ويدخله في عداد الكافرين ... أن الشرك باللّه يتحقق بمجرد إعطاء حق التشريع لغير اللّه من عباده، ولو لم يصحبه شرك في الاعتقاد بألوهيته ولا تقديم الشعائر التعبدية له ... ) [في ظلال القرأن: ص 1642] .