فقال: (بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فتلك عبادتهم) [رواه أحمد والترمذي] [[1] ].
فانتبهوا إلى هذه الآية، فهذه الآية الكريمة وهذا الحديث الشريف يبينان بوضوح وجلاء؛ أن طاعة الحاكم أو العالم أو غيرهما واتباعهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله؛ عبادةٌ لهم من دون الله، وهذا شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة، عافانا الله وإياكم من ذلك.
وذلك ما عقّبَ به سبحانه وتعالى في آخر الآية الكريمة ونزّهَ نفسه الشريفة عنه، حيث قال: {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، وذلك بعدما قال تعالى في نفس الآية: {مَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ، وفي ذلك بيانٌ على أن التشريع في التحليل والتحريم عبادة، وهو من أخصِّ خصائصِ الألوهية [[2] ]، ومن أهم مقتضياتِ شهادةِ"أن لا إله إلا الله"، الركن الأول من أركان الإسلام، وهي رأس الإسلام، وفي هذا تنبيه عظيم جدًا للذين يظنون أن الإسلام هو مجرد التلفظ بشهادة"أن لا إله إلا الله"، ولا يعلمون أن لها مقتضيات إن لم يلتزموا بها فهم لم يلتزموا بشهادة"أن لا إله إلا الله" [[3] ].
(1) قال الإمام عبد الرحمن بن حسن: (وفي الحديث دليل على أن طاعة الأحبار والرهبان في معصية الله؛ عبادة لهم من دون الله، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ... وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوهم، لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المُقَلد، وهو من هذا الشرك ... وأما طاعة الأمراء ومتابعتهم فيما يخالف ما شرعه الله ورسوله؛ فقد عمت بها البلوى قديمًا وحديثًا في أكثر الولاة بعد الخلفاء الراشدين، وهلم جرا) [فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد: ص405 - 406] .
(2) يقول الإمام حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله:(وكما أن المحكم للقوانين الوضعية كافر ... فإن المشرع للقوانين والواضع لها كافر أيضا، لأنه بتشريعه للناس هذه القوانين صار شريكا لله سبحانه وتعالى في التشريع، قال تعالى؛ {أََمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] ، وقال تعالى؛ {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26] ، وقال عز وجل؛ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] ، ولهذا لما سمع عدي بن حاتم هذه الآية، قال؛"يا رسول الله! إنا لسنا نعبدهم؟!"، فقال صلى الله عليه وسلم؛"أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه"، قال؛"بلى"، قال؛"فتلك عبادتهم".
فتبين من الآية الكريمة من حديث عدي بن حاتم؛ أن التحليل والتحريم والتشريع من خصائصه سبحانه وتعالى، فمن حلل أو حرم أو شرع ما يخالف شرع الله، فهو شريك لله في خصائصه) [فتوي في التحاكم إلى القوانين الوضعية: 10/ 2/1422 هـ] .
(3) قال عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في معنى كلمة التوحيد ومقتضياتها: ( ... لا بد من اعتقاد وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والإقرار بذلك إعتقادًا ونطقًا، ولا بد من القيام بعبودة الله وحده، طاعة لله وانقيادًا، ولا بد من البراءة مما ينافي ذلك عقدًا وقولًا وفعلًا، ولا يتم ذلك إلا بمحبة القائمين بتوحيد الله وموالاتهم ونصرتهم، وبغض أهل الكفروالشرك ومعاداتهم، ولا تغني في هذا المقام الألفاظ المجردة ولا الدعاوى الخالية من الحقيقة، فإن هذه الأشياء متلازمة، متى تخلف واحد منها تخلفت البقية) [القول السديد في مقاصد التوحيد/ ص: 33 - 34] .