لقد حطّمتم بتصرفاتكم تلك كل الأرقام القياسية في التبذير والإسراف من المال العام ففتم بذلك من قِبلكم وفتّم من بعدكم، فهنيئًا لكم على ذلك! وهذا غير مستغرب منكم، فأمثالكم لا يهمهم مستقبل بلادهم وشعوبهم بقدر ما تهمهم تلبية شهواتهم الذاتية ونزواتهم الآنية.
لقد غاب عنكم وأنتم تمارسون هذه التصرفات المصير المرعب الذي صار إليه شاه إيران وماركوس الفلبين وتشاوسيسكو رومانيا وغيرهم من مصاصي دماء شعوبهم غير المكترثين بمصير بلادهم. إن البلاد حقيقةً تمر بأخطر أزماتها الإقتصادية التي مرت بها حتى الآن، فقد كانت الأزمة الأولى سنة 84/ 1385 هـ 64/ 1965 م بسبب فوضوية إدارة الملك سعود التي انتهت بعزله، وكانت الثانية سنة 1406 هـ الموافق 1986 م بسبب الإنهيار المفاجيء في أسعار النفط. وإذا كانت الأزمة الأولى قد حُلت بعزل الملك سعود وحاشيته، والثانية قد تجاوزتها البلاد بلُجوئها إلى احتياطها المالي الضخم آنذاك، فإنّ الأزمة الحالية وفي ضوء القضاء التام على رصيد الدولة المالي من جهة، وفقد مصداقيتها المالية في الداخل والخارج من جهةٍ أخرى، تبدو غير مبشرة بالإنفراج في المستقبل المنظور.
لقد كان عجزك عن معالجة الأزمة في الوقت الذي كانت البلاد تملك احتياطيًا يُقدر بمائة وأربعين مليار دولار، وليس عليها أية ديون، أقوى دليل على فشلك في معالجتها بعد القضاء على ذلك الإحتياطي وغرق البلاد في بحر متلاطم من الديون الربوية، قال الشاعر:
فمن خانه التدبير والأمر طائعٌ ... فلن يحسن التدبير والأمر جامحُ
ولم يعد يجدي هنا ما تقوم به وسائل إعلامك من تضليل للناس وتلبيسٍ عليهم، وإيهامهم بأنّ الأزمة أوشكت على الإنفراج، فكذبُ هذه الوسائل الإعلامية وخداعها لم يعد ينطلي على الأُمَّة التي وصل بها الوعي مرحلةً لم تعد تصدق معها مثل هذه الأكاذيب المفضوحة. إنّكَ بإهدارك لأموال الأُمَّة، وإسرافك في تبذيرها، وكذبك عليها بعد ذلك، فقد جمعت بين الخصال التي حكم الله على صاحبها بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} هذا إذا كان إنسانًا عاديًا، أما إذا كان ملكًا، فالملك الكذّاب أشد عقوبةً عند الله من غيره من الناس، كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وجاء فيه"ثلاثةٌ لايكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهمعذابٌ أليم، شيخٌ زانٍ، وملكٌ كذّاب، وعائلٌ مستكبر".
وفي ضوء المعطيات الواقعية السابقة يبدو الحل الذي انتهت به أزمة الملك سعود، وهو خلعه من الملك أفضل الحلول الجذرية المطروحة. وقبل ذلك تبقى الحلول الترقيعية أمامكم مريرة وقاسية من جهة، وغير ناجعة ولا فعّالة من جهةٍ أخرى، فهل ستعمدون إلى تخفيض الريال مثلًا؟ قد يرجع عليكم هذا الإجراء بانفراج مؤقت، غير أنّ هذه الخطوة لها