-وكذلك عجزه عن حماية البلاد وإباحتها السنين الطوال لأعداء الأمَّة من القوات الصليبية الأمريكية التي أصبحت أحد الأسباب الرئيسية في نكبتنا بجميع نواحيها وبخاصة الاقتصادية، نتيجة الإنفاق الثقيل عليها بغير حقٍّ، ونتيجة للسياسات التي تفرضها على البلاد وخاصة السياسة النفطية حيث تُحدَّد الكمية المنتَجة من البترول والسعر بما يحقِّق مصالحهم ويهمل مصالح البلاد الاقتصادية، ونتيجة لصفقات الأسلحة الباهظة التكاليف التي تُفرَض على النظام حتى أصبح الناس يتساءلون:"ما فائدة وجود النظام إذن؟".
فعند ذلك بذلت كل فئة جهدها للتحرك السريع لتدارك الموقف، وتلافي الخطر، فنصحوا سرًّا وجهرًا، ونثرًا وشعرًا، زرافاتٍ ووحدانًا، وأرسلوا العرائض تتلوها العرائض، والمذكرات تتبعها المذكرات، وما تركوا سبيلًا إلا ولجوه ولا رجلًا مؤثِّرًا إلا وأدخلوه معهم في تحركهم الإصلاحي، وقد كانوا متوخِّين في كتاباتهم أسلوب الرفق واللين بالحكمة والموعظة الحسنة، داعين إلى الإصلاح والتوبة من المنكرات العظام والمفاسد الجسام التي شمل فيها التجاوز مُحْكَمَات الدين القطعية وحقوق المواطنين الشرعية.
ولكن للأسف الشديد لم يجدوا من النظام إلا الصدود والإعراض، بل والسخرية والاستهزاء، ولم يقف الأمر عند حدِّ تسفيههم فقط، بل تعزَّزت المخالفات السابقة بمنكرات لاحقة أكبر وأكثر، كل ذلك في بلاد الحرمين!! فلم يعد السكوت مستساغًا، ولا التغاضي مقبولًا.
ولمَّا بلغ التجاوز ما بلغ، وتعدَّى حدود الكبائر والموبقات، إلى نواقض الإسلام الجليَّات، قامت مجموعة من العلماء والدعاة الذين ضاقت صدورهم ذرعًا بما أصمَّ آذانهم من أصوات الضلال، وغشي أبصارهم من حُجُبِ الظلم، وأزكم أنوفهم من رائحة الفساد، فانبعثت نذر الرفض، وارتفعت أصوات الإصلاح داعيةً لتدارك الموقف، وانضم إليهم في ذلك المئات من المثقَّفين والوجهاء والتجار والمسؤولين السابقين، فرفعوا إلى الملك العرائض والمذكرات المتضمنة المطالبة بالإصلاح.
ففي سنة 1411 هـ إبَّان حرب الخليج رُفعت إلى الملك عريضة وقعها حوالي أربعمائة شخصية من هؤلاء تدعوه لإصلاح أوضاع البلاد، ورفع الظلم عن العباد، غير أنَّه تجاهل النصح، واستهزأ بالناصحين، وظلت الأوضاع تزداد سوءًا على سوء وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وحينئذٍ أعاد هؤلاء الناصحون الكرَّة من جديد بمذكرات وعرائض أخرى، كان من أهمها مذكرة النصيحة التي سُلِّمَتْ للملك في محرم 1413 هـ والتي شَخَّصت الداء ووصفت الدواء، في تأصيل شرعي قويم، وعرض علمي سليم، فتناولت بذلك الفجوات الكبرى في فلسفة النظام، ومواضع الخلل الرئيسية في دعائم الحكم، فبيَّنت ما يعانيه رموز المجتمع