ولذا اتفق الجميع على أنَّه (لا يستقيم الظل والعود أعوج) فلا بدَّ من التركيز على ضرب العدو الرئيسي الذي أدخل الأمَّة في دوامات ومتاهات منذ بضعة عقود بعد أن قسَّمها إلى دول ودويلات، وكلما برزت دعوة إصلاحية في الدول الإسلامية دفع هذا التحالف اليهودي الصليبي وكلاءه في المنطقة من الحكام لاستنزاف وإجهاض هذه الدعوة الإصلاحية بطرق شتى وبما يتناسب معها، فأحيانًا يجهضها بجرِّها إلى الصدام المسلح محدِّدًا الزمان والمكان لهذه المعركة فيقضي عليها في مهدها.
وأحيانًا يطلق عليها رجاله من وزارة الداخلية والذين تخرجوا من كليات شرعية ليشوِّشوا على المسيرة الإصلاحية وليشتتوا الأمَّة والشعب عنها، وأحيانًا يستزلون أقدام بعض الصالحين للدخول في حرب كلامية مع علماء ورموز الدعوة الإصلاحية ليستنزف طاقة الجميع ويبقى الكفر الأكبر مسيطرًا على الأمَّة مضلِّلًا لها، وتستمر المناقشات في الفروع بينما توحيد الله بالعبادة والتحاكم إلى شريعته مغيَّب عن الواقع، وفي ظل هذه المناقشات والردود يلتبس الحق بالباطل وكثيرًا ما تنتهي إلى عداوات شخصية يتحزَّب الناس مع هذا أو ذاك ممَّا يزيد الأمَّة انقسامًا وضعفًا إلى ضعفها، وتغيب الأولويات في العمل الإسلامي.
فينبغي التنبُّه إلى هذه الحيل الشيطانية وأمثالها التي تنفِّذها وزارة الداخلية، والصواب في مثل هذه الحالة التي نعيشها هو كما قرره أهل العلم، وهو تكاتف جميع أهل الإسلام للعمل على دفع الكفر الأكبر الذي يسيطر على بلاد العالم الإسلامي، مع تحمُّل الضرر الأدنى في سبيل دفع الضرر الأكبر ألا وهو الكفر الأكبر، وإذا تزاحمت الواجبات قُدِّم آكدها، ولا يخفى أنَّ دفع هذا العدو الأمريكي المحتل هو أوجب الواجبات بعد الإيمان، فلا يُقَدَّمُ عليه شيء كما قرر ذلك أهل العلم، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- حيث قال:"وأمَّا قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجبٌ إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يُشترط له شرط، بل يُدفع بحسب الإمكان" [كتاب الاختيارات العلمية، ملحق بالفتاوى الكبرى: 4/ 608] .
فإذا تعذَّر دفع هذا العدو الصائل إلا باجتماع المسلمين بقضِّهم وقضيضهم وغثِّهم وسمينهم، كان ذلك واجبًا في حقِّهم، مع التغاضي عن بعض القضايا الخلافية والتي ضَرَر التغاضي عنها في هذه المرحلة أقل من ضرر بقاء الكفر الأكبر جاثمًا على بلاد المسلمين، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مبيِّنًا هذه المسألة منبِّهًا على أصل عظيم ينبغي مراعاته وهو: (العمل على دفع أعظم الضررين بالتزام أدناهما) واصفًا حالة المجاهدين والمسلمين وإن كان فيهم عسكرٌ كثير الفجور، فإنَّه لا يُعفى من ترك الجهاد ضد العدو الصائل، قال -رحمه الله- وبعد أن ذكر شيئًا من أحوال التتار وما هم عليه من تبديل شرائع الله:"فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته وإقامة دينه وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم"