فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 1077

ولكن فضيحتكم الكبرى كانت في الصومال، فبعد ضجيج إعلامي عنيفٍ لعدة أشهر عن قوة أمريكا بعد الحرب الباردة، وتزعمها للنظام العالمي الجديد، دفعتم بعشرات الألوف من القوات الدولية منها ثمانية وعشرون ألف جندي أمريكي إلى الصومال، ولكن بعد معارك صغيرة، قُتل فيها بضع عشرات من جنودكم، وسُحِلَ طيَّار أمريكي في أحد شوارع مقديشو، خرجتم منها مهزومين مدحورين تحملون قتلاكم، وتجرُّون أذيال الخيبة والخسران والهوان، ولقد ظهر (كلينتون) أمام العالم يتهدَّد ويتوعَّد بأنَّه سينتقم، بينما كان ذلك التهديد تمهيدًا للانسحاب، وقد أخزاكم الله وانسحبتم، وظهر جليًّا مدى عجزكم وضعفكم، ولقد كان منظركم وأنتم تنهزمون في هذه المدن الإسلامية الثلاث -بيروت وعدن ومقديشو- يُدخِل السرور على قلب كل مسلم، ويشفي صدور قومٍ مؤمنين.

وأقول: لئن كان أبناء بلاد الحرمين قد خرجوا لقتال الروس في أفغانستان والصرب في البوسنة والهرسك، وهم يجاهدون اليوم في الشيشان وقد فتح الله عليهم ونصرهم على الروس المتحالفين معكم، ويقاتلون بفضل الله أيضًا في طاجكستان، أقول: لئن كان أبناء الحرمين عندهم شعورٌ وإيمانٌ بضرورة الجهاد ضد الكفر في كل مكان، فهم أكثر ما يكونون عددًا وقوةً وحماسةً على أرضهم التي وُلدوا عليها للدفاع عن أعظم مقدساتهم؛ الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين أجمعين، ويعلمون أنَّ المسلمين في العالم أجمع يُناصِرونهم ويؤازرونهم في قضيتهم الكبرى، قضية كل المسلم؛ ألا وهي تحرير مقدساتهم.

وأقول لك يا (وليام) : إنَّ هؤلاء الشباب يحبُّون الموت كما تحبُّون الحياة، وقد ورثوا العزَّة والإباء والشجاعة والكرم والصدق والإقدام والتضحية كابرًا عن كابر، وإنَّهم لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، وقد ورثوا هذه الصفات عن أجدادهم في الجاهلية وجاء الإسلام فأقرَّ تلك الأخلاق وكمَّلها، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ" [صحيح الجامع الصغير] ، وعندما أراد الملك عمرو بن هند أن يذلَّ عمرو بن كلثوم أخذ عمرو بن كلثوم السيف وقطع رأس الملك؛ رافضًا للذلِّ والهوان والضيم، وأنشد قصيدة منها:

إذا ما المَلْكُ سَامَ الناسَ خسفًا ... أبيْنا أن نُقِرَّ الذلَّ فينا

بأيِّ مشيئة عمرَو بنَ هندٍ ... تريدُ بأن نكون الأرذلينا

بأيِّ مشيئة عمرَو بنَ هندٍ ... تُطيعُ بنا الوُشَاةَ وتزدرينا

فإنَّ قناتنا يا عمرُو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا

هؤلاء الشباب يؤمنون بالجنة بعد الموت، ويؤمنون بأنَّ الأجل لا يقدِّمه إقدامهم على القتال ولا يؤخِّره تأخُّرهم، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} ، ويؤمنون بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح الجامع الصغير-:"يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت