فهرس الكتاب
حديثٌ واضح بيِّن، والحجة على العرب أكثر من غيرهم، هذا حديث نبينا عليه الصلاة والسلام بلسانكم سلط الله عليهم ذلًّا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم، فلا بد من الرجوعِ إلى الدين، ولا بد من تركِ الكبائر، ولا بد من الأخذِ بالجهادِ في سبيلِ الله.
وأما التيه فقد بيَّنه سبحانه وتعالى مبينًا الحوار الذي دارَ بين موسى عليه السلام وبين قومه عندما أُمروا بالجهاد فقعدوا، قال سبحانه وتعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ... }
الله أكبر! الله أكبر! من أُمةٍ طويلةٍ عريضة وفقَّ الله سبحانه وتعالى رجلين يخافون، فالخوف مرتبط بهذا الجهاد، الخوف والخشية كلاهما له ارتباط عظيم بهذا الجهاد، فالذي يقعد عن الجهاد هو يخاف الناس، والذي يقوم يحمل رأسه على راحته هو يخاف الله، فقد مرَّ معنا في الآيات الماضية {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} فهؤلاء لا يريدون القتال {لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} .
وهنا رجلان يخافون لكن مِن الله العلي العظيم، الذي يخاف من الله العلي العظيم، الذي يخاف من يوم الحساب والسؤال، هذا ينفر خفيفًا لا يلوي على شيء حتى يلقى الله وهو عنه راضٍ.
{قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} ، يقول ابن كثير -رحمه الله- عند هذه الآية كانت نعمة الله عليهم عظيمة ومنَّته عليهم كبيرة، أنعم الله عليهما، أنعم الله عليهما، ألا تحبون أن تكونوا ممن ينعم الله عليه؟ {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، ولكن الفارّ لا يرده شيء، والجبان لا يوقفه شيء، فلا نامت أعين الجبناء.
ها نحن بفضل الله ومِنته أكثر من عشرين سنة في فيّ الأسد تطاردنا صواريخ سكود الروسية أكثر من عشر سنوات، وها هي صواريخ كروز الأمريكية تطاردنا خلال العشر سنوات هذه، والمؤمن يعلم أن الأرواح والآجال لا تتقدم ولا تتأخر {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} ويعلم أن النفس لا تموت حتى تستوفي رزقها وأجلها كما بيّن لنا ذلك رسولنا عليه الصلاة والسلام.
رجع الجدال من جديد، واللجاجة رجعت من جديد، فتكلم قوم موسى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ، لا حول ولا قوة إلا بالله!