فهرس الكتاب
يشهدُ لهم بالإيمان الحق، هؤلاء الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا، فلا يستقيم أمر الدين إذا لم يهاجر ورثةُ محمد - صلى الله عليه وسلم -، يصدعون بالحقِّ كما خرجَ الصحابةُ الكرام وخرجَ رسولنا عليه الصلاة والسلام، وهذه سُنَّة الله في دينه.
وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- في حديثها عن أول ما بُدِئ الوحي، تذكر قصة رسولنا عليه الصلاة والسلام مع ورقة بن نوفل، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، فلما شرح له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يجده من بداية الوحي فقال له:"إن هذا الناموس هو الذي نزَّل اللهُ على موسى عليه السلام"، ومما قال:"يا ليتني أكون فيها جذعًا إذ يُخرِجك قومك"، -انتبهوا يا عباد الله-، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَوَمُخرجيَّ هم؟"قال:"نعم، ما جاء رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي ولئن يدركني يومك لأنصرك نصرًا مؤزرًا".
كل من جاء بالحق يُعادى، فالذي لا يُعادى ممن ثبت أنهم يوالون الكفارَ ويحكمون بغير شريعة الله، فليعلم أنه ليس على الجادةِ وليس على المنهج،"ما جاء رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي".
هم لا يرضون بأهل الحق إلا إذا داهنهم أهلُ الحق {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} ، تريد أن تأكل وتشرب معهم وتقوم ببعض العبادات التي لا تتعارض مع منهجم لا حرج عليك، أما إذا أردت أن يكون الدين كله لله فهذا لا سبيل إليه إلا بالهجرة والجهاد كما فعل خير الناس عليه الصلاة والسلام.
فخرج الصحابة الكرام لمّا صُبَّ عليهم البلاءُ صبًّا، فخرج أبو بكر وهو سيدٌ من ساداتِ قريشٍ، حتى إذا كان ببعض الطريق بعيدًا عن مكة، وجده ابن الدُّغُنة فقال:"إلى أين يا أبا بكر؟"، قال:"خرجت مهاجرًا في سبيل الله، أخرجني قومي"، قال:"مِثلُك ما يُخرَج"، جاهليّ ولكن كان بقي لديهم قيم وشهامة وأخلاق واعتبارات فاضلة، قال:"مثلك ما يخرج إنك لتُقري الضيف وتُكسب المعدوم وتُعين الناس، ارجع معي في جواري"، فرجع فلما صدع بالحق من جديد أصروا عليه وآذوه حتى مَنَّ الله عليه بعد ذلك بالهجرةِ مع خير الناسِ مع محمد - صلى الله عليه وسلم - {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ معَنَا} .
وخرج الصحابة إلى الحبشةِ ومعهم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع زوجها عثمان، بهذه الهجرة انتشر الدين، وجُهِر بالحق، وصُدِع بالقول الصحيح الذي أذلَّ الله سبحانه وتعالى به الباطل.
خرج هذا الموكب المتواضع إلى الحبشة، تقول أم عبد الله بنت أبي حتمة رضي الله عنها -كما أورد ابن هشام في سيرته رحمه الله- تقول:"إننا لنترحل للهجرة إلى الحبشة وذهبَ عامرٌ -أي أبو عبد الله- ذهبَ عامرٌ ليأتي ببعض حاجتنا، إذ أقبل عمر"، وما أدراك ما عمر في الجاهلية فظ غليظ صنديد من صناديدِ قريشٍ صبّ العذاب والأذى على المؤمنين