فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 1077

صبًّا، تقول:"إذ أقبل عمر، فقال: إنه للرحيل يا أم عبد الله؟ قالت: نعم والله، آذيتمونا وقهرتمونا"، فلم يحتمل عمر هذا المنظر وهو الفظُّ الغليظ، لم يحتمل أن يرى المستضعفين من الرجال والنساء والولدان يتركون أرضهم التي وُلدوا عليها، ويتركون عشيرتهم، ويتركون آباءهم وأمهاتهم، لم يحتمل هذا وفي داخلهِ صراع بين استكباره عن الحق وإصراره على إيذاء هؤلاء المؤمنين وبين هذا المنظر الذي يقطع القلوب، أين يذهبون؟ يركبون البحر وما لهم من قبل به خبرة؟ أين يذهبون إلى البُعَداء الغرباء؟ لا نسب ولا قرابة ولا أُخوة دين، ولكن تغلَّب عليه جانب الخير في الأخير فقال كلمة رقيقة، قال:"صحبكم الله"، الله أكبر! الله أكبر! قلب عمر الفظ الغليظ يتفطر من مشهد الأطفال! من مشهد هؤلاء الأطفال الصغار! من مشهد المستضعفين من الرجال والنساء والولدان! تركوا الأوطان، تركوا الأموال، تركوا الأعمام وأخوالًا فرارًا بدينهم، في الله وفي رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لم يحتمل عمر هذا المنظر فقال:"صحبكم الله"، فلما رجع عامر، قالت:"يا عامر، لو رأيت عمر إذ أقبل قبل قليل وقال وقال"، قال:"هل طمعتِ في إسلامه؟"، قالت:"نعم"، قال:"لا يُسلم هذا الذي رأيتِ حتى يُسلم حمارُ الخطاب".

قلبٌ كان يوصف بقلوب الحمير لبلادته، فتأثر بتلك المشاهد الضعيفة؛ أين يذهبون؟ رضي الله عنهم وأرضاهم، ولكنّ قريش اليوم لم يلن قلبها بعد على ورثة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ورثة محمد - صلى الله عليه وسلم - أقسم بالله العظيم أنهم في سجون جزيرة العرب في الحائر وفي غيره والأمريكان يسرحون ويمرحون فوق أرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أما في الناس إيمان؟ أما في الناس غيرة على دين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ اللهم إني أبرأ إليكم مما صنع أبو رغال وإخوانه وأعوانه، وأعتذر إليك من تقصير المؤمنين القاعدين عن نصرة بيتك العظيم.

اللهم ردنا إلى ديننا ردًّا جميلًا، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، اللهم زين الإيمان في قلوب شباب المسلمين، وكرِّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، اللهم إنا نعاهدك على أن نواصل المسير إعلاءً لكلمة لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حتى يُظهر الله هذا الأمر أو نقتل دونه، فتقبل منا يا ربنا إنك خير مجيب.

هذا هو السبيل يا عباد الله: هجرةٌ وجهادٌ، هجرةٌ وجهاد بعد الإيمان، هكذا سَنَّ رسولنا عليه الصلاة والسلام، وما أدراك عن أجر الهجرة والجهاد! وهو حسبنا ونعم الوكيل، فقد صحّ عن نبينا عليه الصلاة والسلام في حديثه لعمرو بن العاص -رضي الله عنه- عندما جاء يريد أن يشترط لنفسه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن الهجرة تهدم ما قبلها"، فهنيئًا للمهاجرين! مع الهجرة يخرج الإنسان من ذنوبه السابقة، ويفتح صفحة بيضاء نقية يسجل فيها، وما أدراك ما يسجل فيها! فقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال:"قيام ساعة في الصف للقتال في سبيل الله خيرٌ من قيام ستين سنة"الله أكبر! الله أكبر! كرمٌ عظيم، ساعةٌ في الصف خيرٌ من قيام ستين سنة، والذين يعيشون اليوم ومتوسط أعمار الأمة قريبًا من هذه السنين من ستين إلى سبعين، إذا خابوا وخسروا وابتعدوا عن منهج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت