فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 1077

ولكن يبقى الحكم أنه فرض عين، وهم يخالفوننا في إطلاق هذا الحكم، يقولون؛ نحن وصّلنا لكم بضعة آلاف لا تستطيعون أن تستوعبوهم! ويقولون؛ ليس من المعقول أن نترك كل الثغرات وكلنا نذهب للجهاد! فمن هنا يظهر بوضوح لوثة العصر، وهي اللوثة المادية، لوثة بروز العقل، فهذه أحكام أجمع عليها الفقهاء من سلف الأمة رحمهم الله، واليوم يخرج علينا فقهاء يعترضون على إجماع الأمة، إذا تعين الجهاد فهو أولى الأولويات بدون شك كما ذكر شيخ الإسلام، فدفع العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه.

فليس هناك وجه في أن تقول؛ إذا ذهبوا جميعهم لم يستوعبهم الجهاد!، هذا ناتج عن خلل غير عادي في الفقه، وهو ناتج عن ركون إلى الدنيا غير عادي، فالأمر إذا تعين؛ مجرد أن يأتي العدد الذي يكفي لدفع العدو الصائل يصبح تلقائيًا الجهاد فرض كفاية، فيبقى الباقون الذين تأخروا في ثغورهم وتندفع الضرورة بهذا التحرك.

فهذا للأسف من أكبر العوامل المثبطة عند الصحوة الإسلامية، وهو يظهر في كتاباتهم وفي رسائلهم وفي لقاءاتهم.

ويقولون؛ إن الجهاد عبادة عظيمة، ولكن هناك عبادات أخرى!

هؤلاء ما فقهوا منهج محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكرت في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه تلك الدروس وتلك العبر. وأن كعبًا رضي الله عنه عندما جلس وقعد في المدينة كان يقوم بكثير من الطاعات وهو في مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي الحديث عن نبينا عليه السلام أن طلب العلم في مسجده عليه الصلاة والسلام كالجهاد في سبيل الله، ومع ذلك كله، ومع سابقته في الإسلام وهو من أصحاب بيعة العقبة -وما أدراك ما بيعة العقبة وهي التي تكونت بها الجماعة المسلمة لإقامة الدولة المسلمة- ومع ذلك كله لم يُذكر بأي صفة من هذه الصفات، لأنه عندما يتعين الجهاد لا مجال للطاعات الأخرى لأن تُذكر، وإنما يُذكر في مقابل الجهاد القعود والعتاب والتوبيخ، ولا يُقال"جزاه الله خيرًا ذاك في المدينة، وياحظه يصلي في الحرم"أو"يعطي دروس"! هذا لا يقال لنص القرآن الكريم {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .

لو تتبعتم النصوص في وصف القاعدين، تجدها متواترة على هذا المعنى في أمتنا وفي الأمم السابقة؛ فقوم موسى لما تأخروا عنه وصفهم الله سبحانه وتعالى ايضًا بالفسق {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} ، وكذلك إذا تتبعنا الذين تخلفوا يوم تبوك، الله سبحانه وتعالى أيضًا وصفهم بالفسق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت