فهرس الكتاب
فأما اليوم فهناك خلل في طريقة المحافظة على هذا الدين، وفي تفعيل الطاقات لنصرة هذا الدين، فالآن أصبح الذي يقعد عن نصرة الدين لا يشعر بالإثم، بل هو يشعر أنه في طاعة، ولا يشعر بسوءة هذه الكبيرة العظيمة التي جاء فيها عشرات الآيات تهدد وتحذر، وترغب في هذه الطاعة، وتوبخ من يقعد عنها، وتقرّع الذين يركنون إلى الدنيا، ومن كان الذي يُهدَد؟ صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تهديدًا تلو التهديد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ} ، هذا توبيخ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيل} .
هل يجترئ أحدٌ منا اليوم أن يقول لأبيه أو لعمه أو لشيخه؛"أنت رضيت بالحياة الدنيا؟! هذه فلسطين منذ ثمانين سنة ما أطلَقت فيها طلقة! ولا غّبرت قدمك يومًا من الأيام! فأنت من الذين رضوا بالحياة الدنيا!"لا أحد يستطيع ان يقول ذلك. هناك خلل عام في فهم الصحوة حول الطرق التي يحافظ بها على الدين، والآيات كما ذكرت إذا تتبعناها كثيرًا.
والشباب الذين عندهم القدرة على فداء الدين وعلى التضحية من أجل الدين، للأسف الشديد عندهم خلط في السمع والطاعة لعلماء الإسلام القاعدين، فالقاعد لا يسمع له ولا يطاع، فمن هنا هذه الطاقات تبقى معطلة، ويصرفونهم عن الواجب المتعين إلى فرض كفاية؛ كطلب العلم، لو أصبح كل الناس علماء لن يقوم الدين إلا بالجماعة والسمع والطاعة والنصرة والجهاد.
فمن هنا نحن بحاجة إلى أن نُفهّم الشباب أن قياداتهم العلمية هي راضية بالدنيا، هي تفر من واجب ثقيل تذمّر منه بعض صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والله سبحانه وتعالى يبين ذلك بقوله {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} .
الصحابة رضي الله عنه لما خرجوا يوم بدر خرجوا على أنهم سيأخذون العير للتجارة، فلما بلغهم أن قريشًا قد خرجت في ألفٍ كَرِه بعضهم ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما يروي أبو أيوب- فقال:"أشيروا علي أيها الناس؟"، فقال؛ أظهرنا كرهنا للقاء العدو. فقلنا: (يارسول الله ما خرجنا لقتال عدو ولا طاقة لنا بهم، وإنما خرجنا للعير) ، فقال:"أشيروا علي أيها الناس؟"، فكررنا ذلك، فقال:"أشيروا علي أيها الناس؟"، فتكلم المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال: (يا رسول الله! إذًا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ، ولكن نقول لك؛ إذهب أنت وربك فقاتلا فإنا معكم مقاتلون، والله لنقاتلن عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك) .