فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 1077

انظروا إلى أولئك السلف، بيَّن في حديثه رضي الله عنه قال:"فلمَّا تفارط الغزو كنت أخرج في المدينة وكان ممَّا أحزنني أنَّني لا أرى في طرقات المدينة إلا رجلًا مغموصًا عليه بالنفاق أو رجلًا من أهل الأعذار، هؤلاء هم سلفنا رضي الله عنهم".

عندما جاء الخبر أنَّ الروم"يفكِّرون"في أن ينالوا من أهل الإسلام، لم يدخلوا أرض الإسلام، مجرَّد جاء الخبر أنَّهم يفكِّرون أن يحتشدوا، خرج قائدنا وأسوتنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ودعا في الناس: يا خيل الله اركبي، فما قعد إلا منافق أو رجل من أهل الأعذار.

فانظر يا عبد الله إذا أردت النجاة فاقتدِ بأولئك الكرام رضي الله عنهم، بمحمَّد عليه الصلاة والسلام والذين معه {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} ، فالاتباع اتباع كامل في ما أحببت وفي ما كرهت، كما في حديث عبادة رضي الله عنه:"بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره"، الناس تكره القتال لا بدَّ عليك من أن تؤدِّي الأمانة التي اؤتمنت عليها.

فهذا هو الحال أنَّه كان لا يرى رجلًا إلا من أهل النفاق أو رجلًا من أهل الأعذار.

فلمَّا وصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك قال:"ما فعل كعب بن مالك؟"تذكَّره، فقال رجلٌ من بني سلمة:"شغله بُرداه والنظر في عطفيه"، تكلَّم عليه، لأنَّه قعد عن نصرة الدين وجعل نفسه في موطن، ما ينبغي لأهل الإيمان أن يقعدوا عن نصرة الدين، فردَّ معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:"بئس ما قلت، فوالله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا"، قال ابن حجر عند قول الرجل الذي قال من بني سلمة -ما قلت لكم- أنَّ الذي يقعد عن الجهاد هو قد جعل مبرِّرًا للناس أن يطعنوا فيه لأن نصرة الدين من أعظم الواجبات، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يتوفَّانا ونحن قائمون بأداء الأمانة في نصرة دين ربِّنا حتى نلقاه وهو راضٍ عنَّا.

فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مُبيضًّا يزول به السراب، رجل قادم من بعيد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري رضي الله عنه جاء بعدهم بعد أن ساروا، سار وحيدًا لم ينتظر رفقة القاعدين، كاد الشيطان أن يزيغه وهو صحابي كريم رضي الله عنه.

أورد ابن حجر في فتح الباري بعض كلام أهل المغازي عن قصة أبي خيثمة يقول:"دخلت داري فرأيت عريشًا قد رُشَّ بالماء -وما أجمل العريش إذا رُشَّ بالماء في الصيف! -، ونظرت إلى زوجتي -انظروا إلى أهل الإيمان انظروا إلى أهل العقيدة الصحيحة واليقين المتجذِّر- فقلت: والله ما هذا بالإنصاف، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الضحِّ والحرور وأنا هنا في الظل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت