فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 1077

يقول:"فلمَّا خرجت ثار رجالٌ من بني سلمة -أي من قومه- فما زالوا يؤنبونني"، يعاتبوه لماذا قلت هذا الكلام، لو اعتذرت بأي عذر كان يكفيك استغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، انتبِهوا إلى ضعف النفس البشرية حتى عند الكرام رضي الله عنهم، قال:"فما زالوا يؤنبونني حتى كدت أن أرجع فأُكذِّب نفسي".

فضغط المجتمع وضغط الأهل وضغط البيئة شديد جدًّا حتى على أولئك الكرام رضي الله عنهم، فكيف باليوم والكثرة الكاثرة .. انقلبت الموازين، أصبحت الكثرة الكاثرة هم الذين يقعدون عن الجهاد وقلَّة ما تُذكر وفَّقها الله سبحانه وتعالى، فله الحمد والمنَّة، نرجوه سبحانه وتعالى أن يثبِّتنا ويثبِّت هذه النعم علينا إلى أن نلقاه وهو راضٍ عنَّا.

يقول:"ثم قلت لهم هل لقي هذا معي أحد؟، قالوا: نعم؛ لقيه معك رجلان قالا مثلما قلت فقيل لهما مثلما قيل لك"، فذكر رجلين هما مرارة بن الربيع وهلال بن أمية قد شهدا بدرًا رضي الله عنهما كما في بعض الروايات.

ثم جاء الأمر بالمقاطعة، بالهجر، هَجْر الذين يقعدون عن نصرة لا إله إلا الله، يقول:"فتنكَّرَت لي الأرض فلا هي بالأرض التي كنت أعرفها وتنكَّرَت لي نفسي"، ومن يهجرك يا عبد الله؟ يهجرك سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام الذي إذا غضب عليك يغضب لغضبه ربُّ السموات والأرض سبحانه وتعالى.

أمر عظيم جدًّا، وما يعني تخلُّف ثلاثة من أصل ثلاثين ألفًا؟ عدد لا يؤثِّر في الجيش، ولكنها مسألة داخلة في القلوب، لماذا هذا القلب قعد عن نصرة لا إله إلا الله؟! ليس مهم هنا أن يؤثِّر أو لا يؤثِّر، عليك أمانة وعليك فريضة كان ينبغي أن تقوم بها.

فهُجِر فتنكَّرَت له حتى تنكَّرَت له نفسه قال:"فلمَّا طال الأمر عليَّ من جفوة المسلمين جاء رسولٌ من مَلِك غسَّان"، وتعلمون أنَّ الغساسنة هم من بني قَيْلَة وبينهم وبين الأوس والخزرج نسب فأمُّهم واحدة، فوصل الخبر إلى الغساسنة فأرسل ملكهم يقول له:"الْحَقْ بنا نواسك بأموالنا ولا تبقَ في ديار هوانٍ ومضيعة"، فيقول كعب:"حتى الكفار طمعوا فيَّ"، طمع فيَّ أهل الشرك، وكذلك الحال، الذين يقعدون عن الجهاد يطمع فيهم الحكام الخونة العملاء، يطمعون فيهم ويزيدون من إزاغتهم عن نصرة لا إله إلا الله {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} عافنا الله وإيَّاكم منها.

قال:"فأخذت الكتاب أو الصحيفة فسجَّرتها -وضعها في تنُّور- فلمَّا ضاق الأمر عليه قال: فتسوَّرت حائطًا لابن عمي أبي قتادة وكان أحبَّ الناس إليَّ، فقلت:"يا أبا قتادة أنشدك بالله"، انتبهوا يا عباد الله! ارتباط الإيمان بالجهاد وارتباط الجهاد بالإيمان، ضاقت عليه الأرض وضاقت عليه نفسه، خير البرية قاطعه عليه الصلاة والسلام فكيف تسعه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت