فإيَّاك يا عبد الله أن تجمع بين القعود وبين التخذيل وبين التعويق {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} ، فالله سبحانه وتعالى مطَّلع على قلوبنا، وراجع نفسك هذه التي بين جنبيك لعلَّها قد خادعتك كما حاولتْ نفسُ كعب رضي الله عنه وإخوانه رضي الله عنهم أجمعين.
فقال كعب: الحمد لله الذي هداني إلى الصدق وأنعم عليَّ بهذه النعمة، أعظم نعمة منَّ الله بها عليَّ بعد الإسلام إذ لم أكذب فأهلِك كما هلكوا، فإنَّ الله قال لهم شرَّ ما قال لأحد ( {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى .. } ، لا حول ولا قوة إلا بالله، فما قيمة الحياة إذا قعدت عن نصرة لا إله إلا الله ولم يرضَ عنك الله سبحانه وتعالى {فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} ، وصفهم بهذه الصفات الذميمة، بالظلم في بعض الآيات، وبالفسق في هذه الآية وغيرها.
فهذا الحديث العظيم الذي بيَّن كعب رضي الله عنه واعترف، هو قدوة للناس أن يتفحَّصوا نفوسهم وأن يعالجوها ويردُّوها إلى الصواب، فسلف الأمَّة هؤلاء هم (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا) وما كان يتخلَّف إلا الأعراب الذين ما فقهوا الدين، ومع ذلك كانوا يظنُّون أنَّهم قد آمنوا، فلمَّا منُّوا على رسولنا عليه الصلاة والسلام وجاءوا إليه يقولون أنَّنا قد آمنَّا {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبكمُ} .
في الآية التي تليها بيَّن لهم صفات المؤمنين، بيَّن لهم حال المؤمنين، انتبهوا يا عباد الله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، الله أكبر، هذا يكفي لأولي الألباب، بيَّن لهم صفة الإيمان إن كنت تريد تكون من المؤمنين، أبرز الصفات: إيمان بالله ورسوله بدون ريب، وجهاد في سبيله بالمال والنفس.
ثم عقَّب الله سبحانه وتعالى بتلك الصفة العظيمة العزيزة بصفة الصدق، هي الصفة التي أنجت هذا الرجل رضي الله عنه،"وإنَّ الصدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنة، وما زال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يكتب عند الله صِدِّيقًا"، كما قال عليه الصلاة والسلام.
فعليكم بالصدق واحذروا الفجور {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} ، فاللهم أدم علينا نعمة الصدق واجعلنا من الصادقين برحمتك يا أرحم الراحمين.
فأقول لإخواني المسلمين في كل مكان: لا يكن، كما قال عليه الصلاة والسلام:"لا يكن أحدكم إمَّعة، إذا أحسن الناس أحسن وإذا أساءوا أساء"، فيوم القيامة تبعث فردًا، وتوضع في قبرك، وتُسأل فردًا، فماذا ستقول يوم تُسأل عن