ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: قال لا بدَّ للمفتي والحاكم حتى يفتي أن يكون على علم بفقه الواقع بالحادثة التي حصلت، ويبحث عنها، ويستنبط عن أمورها، ويبحث عن قرائنها وعلاماتها، ثم النوع الآخر النوع الثاني هو فهم وفقه الواجب في هذه الحالة، وفي هذا الواقع، وهو حكم الله سبحانه وتعالى الذي ينطبق على هذه الحادثة فيفتي.
فأنت لم تخض المعارك المعاصرة، ولم تدرِ كيف يُكَفُّ بأس الكفار، وكيف أنَّ القلة القليلة من أهل الإيمان الذين استيقنوا بالله سبحانه وتعالى وأيقنوا أنَّ ما عند الله سبحانه وتعالى خير، الذين استيقنوا أنَّهم ملاقو الله سبحانه وتعالى بأسلحة بسيطة هزموا الاتحاد السوفييتي.
فيقيسون دون أن تكتمل لهم الأمور، يقول لك: عدد الشباب قليل ولا نعرف السلاح وأسلحتنا قليلة، هذا الأمر ليس لكم يا عباد الله، إنَّ أمر الفتوى أمرٌ عظيٌم جدًّا.
صحَّ في الحديث عن نبيِّنا عليه الصلاة والسلام في ذلك الرجل الذي ذهب إلى بعض القوم في عهده عليه الصلاة والسلام، وكان قد شُجَّ رأسه وأصابته جنابة فيسألهم عن الحكم ما يفعل، قالوا له لا بدَّ أن تغتسل فأفتوا ولم تكتمل لهم العلوم الشرعية في هذه المسألة ولم يراعوا حال المريض، فلمَّا اغتسل مات عليه رضوان الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"قتلوه قتلهم الله".
فكيف بمن يتصدَّر اليوم للفتوى وعشرات الآلاف من أعراضنا انتُهكت في البوسنة والهرسك وألوفٌ مؤلَّفة من دمائنا -دماء إخواننا- سُحقت بالمجنزرات بالدبابات في الشيشان، وإخواننا يُحرقون في المساجد في إندونيسيا، وأبناؤنا في فلسطين وأهلنا يسامون سوء العذاب على أيدي اليهود.
أنَّى نظرت إلى الإسلام في بلدٍ ... وجدته كالطير مقصوصٌ جناحاه
في كل مكان مصيبة، أما اكتفينا وإلى اليوم نقول فرض كفاية؟! ومن قال بفرض العين خذَّل بطرق شتى! فمن كان في قلبه إيمان قوي يتَّبع محمَّد - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الكرام.
وأختم الكلام عن هذا الحديث العظيم بوصفٍ وَصَفَ الله سبحانه وتعالى به الصحابة الكرام، وصف بعضهم عندما تراجعوا عن الجهاد وهم كانوا يطالبون بالقتال يوم أوذوا في مكة وكانوا يعلمون أن لا بدَّ من الردِّ على الكفار وإلا سيُسحقون، فأجَّلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمرهم أن يكفُّوا أيديهم وقال لهم لم أؤمر بالقتال بعد، فلمَّا كتب عليهم القتال