وإن أمم الأرض وشعوبها مَدينةً لهؤلاء الرجال، الذين كسروا حاجز الخوف من طاغية العصر، عندما أصابوا عِيره ونفيره في المقاتِل العِظام، وداسوا هيبته وكبريائه على الملأ، فأغرقه الله في بحرٍ متلاطم من المصائب والناس كلهم ينظرون، في أحداثٍ هائلة مهيبة مدوية، كحال فرعون من قبل، قال الله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} .
وإن هذا الحدث العظيم غير وجه الأرض، وهز ضمير البشرية، وأثر في واقعها تأثيرًا عظيمًا، عندما رأت فتية في ربيع أعمارهم ينغمسون في العدو حُسّرًا، ولكن في قلوبهم يقين بالنبأ العظيم.
وإن ما نراه اليوم من تداعي الدول والشعوب ضد فرعون العصر إنما كان من أسبابه العِظام تلك الجرأة الرهيبة من أولئك الرجال، الذين أظهروا الطاغية على حقيقته، فاقتفا أهل الأرض آثارهم، واقتدوا بفعالهم، للتحرر من عبودية طاغية العصر، فكان فعل هؤلاء الفتية الأبطال كالغلام الذي تقدم ووقف في وجه الملك الطاغية، وضحّى بنفسه في سبيل الله؛ ليحيا الناس بالإيمان وينتصر الدين.
ونتيجة لذلك تدفق على الأرض سيلٌ عَرِم من الصدق والشجاعة والكرم، وغيرها من الأخلاق العظيمة، غمرت نواحي المعمورة.
فالسبيل لإحقاق الحق هو بالجهاد في سبيل الله، والسبيل لإبطال الباطل هو بالجهاد في سبيل الله، والسبيل لكف بأس الكفار هو بالجهاد في سبيل الله، والجهاد هو أحد القواعد الخمس التي يقوم عليها ركن الدين العظيم.
إن هذا البطل وكثيرًا مِن إخوانه لم يكونوا قد ولدوا بعد يوم أن رُفعت رايات الجهاد وفُتحت ميادين الإعداد في أفغانستان، ومع ذلك حين شبوا وبلغوا تسابقوا إلى هذه الساحات، وقد أدركوا سنة الله الجارية؛ وهي التدافع والتقاتل بين أهل الحق والباطل، منذ أن بعث اللهُ الرسلَ -عليهم الصلاة والسلام- وأنزلَ الكتب، قال الله تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} .
فحرص هؤلاء الفتية أن يكون من آوائل ما يكتب عليهم القلم في صحائفهم أنهم غبروا أقدامهم في سبيل الله، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"طوبى لعبدٍ آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع".
وفي المقابل، يوم رُفعت رايات الجهاد قبل ربع قرن في أفغانستان، كان هناك رجال شغلتهم الدنيا عن الهجرة والجهاد لنصرة الدين، وقعدوا مع الخوالف تحت ظل الأنظمة المرتدة، فحُرِموا أجرًا عظيمًا، وسَفِهوا أنفسهم، وخسرت تجارتهم،